شعر

لمحة نيوز

شعـر الضـباط بالشفقـة تجـاه بائعـة الشـارع المسنّـة — حـتى اقتـرب أحـدهم ليلقـي نظـرة فاحصـة علـى ما كانـت تبيعـه
توقفـت سـيارة الدوريـة فـجأة عند الزاويـة بعـد تلقـي شكـوى عن بـيع بضائـع فـي الشـارع بشـكل غيـر قانونـي.....

كـان مـن المفتـرض أن تكـون مهمـة روتينيـة: تحـذير آخـر، صـندوق آخـر يُصـادر، لا أكـثر مـن ذلك.......
لكن لحـظة خـروج الضبـاط، تلاشـى عزيمتهـم......

كانت امرأة مسنّة واقفة بهدوء بجانب صندوق خشبي صغير مليء بالخضروات المرتبة بعناية تكاد تكون محبة. كانت الطماطم تتلألأ تحت أشعة الشمس،

والجزر موضوعًا بشكل مرتب، والخيار مسحته بحافة كمّها ليبدو نظيفًا. كانت ترتدي صندلًا مهترئًا وتنورة باهتة حصري على صفحة روايات و اقتباسات وقميصًا مُرقَّعًا مرات عديدة حتى كاد أن يتفكك.
لم تحاول الهرب.
ولم تُجادل.
انتظرت فقط....

قال أحد الضباط بلطف، مخفّضًا صوته:
"سيدتي، أنتِ تعلمين أنّه لا يُسمح لك ببيع البضائع هنا."
أومأت المرأة ببطء، وكتفاها مُنهكتان.....

"أعلم، يا بني"، تمتمت. "لكن ولدي مريض. يحتاج إلى الدواء يوميًا. ليس لدي أحد آخر. هذه الخضروات من حديقتي الخاصة… أقسم أنني لم أسرق شيئًا."
كانت يدها ترتعش أثناء حديثها.....

تبادل الضابطان النظرات. لم يكن هذا المجرم الذي توقعوه،حصري علي صفحة روايات

و اقتباسات بل مجرد جدة تحاول البقاء على قيد الحياة.
قال الضابط الأكبر بعد لحظة صمت:
"حسنًا، سنتركك هذه المرة. لكن لا يمكنك الاستمرار في هذا. الآخرين لن يكونوا متسامحين مثلنا."
غمر وجهها شعور بالارتياح بسرعة.
"نعم… نعم، بالطبع"، قالت، معيدة الإيماء مرارًا وتكرارًا. "لن أعود مرة أخرى."
ابتسم أحد الضباط الأصغر سنًا:
"حسنًا، بما أننا هنا، دعينا نشتري شيئًا على الأقل. على الأقل لنساعدك."
كان رد فعلها سريعًا جدًا — سريع جدًا.
"لا! من فضلك"، قالت بخشونة، ثم أطلقت ضحكة متوترة. "لقد بعت الكثير اليوم بالفعل."
عبس الضابط....
حصري علي صفحة روايات و اقتباسات 
"الكثير؟ لا يوجد أحد هنا."
"هم يأتون باكرًا"، قالت بسرعة. "لقد فاتكم موعدهم."
تسللت نظرتها إلى الشارع، ثم عادت إلى الصندوق، ثم حولت عينيها بعيدًا مرة أخرى.....

شعر الضابط أن هناك شيئًا غير صحيح.
انحنى ليلتقط إحدى الطماطم.
كانت أثقل مما ينبغي.
قلبها برفق وضغط عليها برفق.
اختفى الابتسامة من وجهه.
قال بهدوء وهو يقف:
"سيدتي، ابتعدي عن الصندوق."
"ماذا؟ لماذا؟" سأل شريكه، مستغربًا.
لم يُجب الضابط. التقط طماطمًا أخرى ولفّها قليلًا.
انشقّت القشرة — كاشفةً عن ما كان مخفيًا بداخلها.
قال بحزم:
"اعتقلوها الآن...."
انثنت ركب المرأة المسنّة.....
لأن الخضروات لم تكن

خضروات على الإطلاق… !!!
تجمّد الضابط الثاني في مكانه وهو يحدّق داخل الطماطم المفتوحة.
لم يكن بداخلها لبّ أحمر كما توقع…
بل كيس بلاستيكي صغير محكم الإغلاق.
اقترب أكثر، وأخرج الكيس بحذر.
كان مليئًا بحبوب دواء مختلفة الألوان.
همس بدهشة:
"يا إلهي…"
رفع الضابط الأكبر حاجبه بقلق.
"ماذا هناك؟"
ردّ وهو يفتح الكيس قليلًا ليتفحصه:
"هذه ليست خضروات… هذه أدوية."
في تلك اللحظة، انهارت المرأة العجوز على الصندوق الخشبي وهي تبكي.
"أرجوكم… لا تعتقلوني…" قالت بصوت مكسور.
"لم أكن أؤذي أحدًا…"
تبادل الضابطان النظرات من جديد، لكن هذه المرة لم يكن في عيونهما غضب… بل حيرة.
سألها الضابط الأكبر بصرامة هادئة:
"من أين حصلتِ على هذه الأدوية؟"
رفعت المرأة رأسها ببطء، ودموعها تبلل وجنتيها المجعدتين.
"ابني…"
توقف صوتها لحظة قبل أن تكمل:
"ابني مريض منذ سنوات. يحتاج هذه الأدوية يوميًا. المستشفى توقف عن صرفها منذ أشهر… وسعرها في الصيدليات لا أستطيع تحمّله."
اقترب الضابط خطوة.
"وهذا يبرر تهريب الأدوية؟"
هزّت رأسها بسرعة وهي تبكي.
"لا… لا… أنا لا أبيعها. أنا أشتريها من الناس الذين لديهم فائض… وأوصلها لمرضى آخرين لا يستطيعون شراءها.
أخفيها داخل الخضروات حتى لا يوقفني أحد."
ساد الصمت للحظة.
كان صوت السيارات في الشارع البعيد فقط يقطع الهدوء.

ثم قال الضابط الأصغر بدهشة:
"انتظر… أنتِ لا تبيعينها؟"
هزّت رأسها مرة أخرى.
"لا. أقسم بالله. أحيانًا يعطونني بضعة جنيهات فقط… لأشتري دواء لابني."
أخرج الضابط الأكبر كيسًا آخر من داخل خيار مقطوع بعناية.
فتح الغلاف… ثم قرأ الاسم بصوت منخفض.
تغيرت ملامحه فجأة.
"هذا… دواء السرطان."
رفع رأسه ببطء ونظر إليها.
"ابنك مريض بالسرطان؟"
أومأت المرأة بصمت.
ثم همست:
"في المرحلة الرابعة."
خفض الضابط نظره للحظة.
وفجأة… حدث شيء لم يكن متوقعًا.
أغلق الضابط الكيس، وأعاده داخل الطماطم كما كان.
ثم التفت إلى شريكه وقال بصوت منخفض:
"سجّل في التقرير… لا يوجد شيء غير قانوني هنا."
اتسعت عينا شريكه.
"لكن—"
قاطعه بنظرة حازمة.
فهم الضابط الأصغر الرسالة فورًا… وأغلق دفتره.
اقترب الضابط الأكبر من المرأة ووضع بعض المال في يدها المرتعشة.
قال بهدوء:
"اسمعي يا أمي… اليوم لم نرَ شيئًا.
لكن غدًا… لن تقفي هنا."
ارتجف صوتها وهي تسأل:
"أين أذهب إذًا؟"
ابتسم ابتسامة خفيفة.
"غدًا ستأتين إلى مركز الشرطة."
تجمّد قلبها من الخوف.
لكن الضابط أكمل:
"لدينا صندوق تبرعات للمرضى المحتاجين… وسنتأكد أن ابنك يحصل على الدواء الذي يحتاجه."
انفجرت بالبكاء… لكن هذه المرة لم تكن دموع خوف.
كانت دموع نجاة.
وبينما كانت سيارة الشرطة تبتعد ببطء عن الزاوية…
كانت
المرأة المسنّة ما تزال واقفة بجانب صندوقها الخشبي.
لكن لأول مرة منذ سنوات…
لم تكن تشعر بأنها وحدها في هذا العالم.

تم نسخ الرابط