إطلعي بره

لمحة نيوز

"إطلعـي بـرة يـا عـديمة الفـايدة! مـش عـايزة أشـوف وشـك تانـي!".. صـرخت حـماتي، فـخرجت من البيت — ومـن غيري كل حاجة وقفـت، حتـى السخان اللي مبيشتغلش غيـر بمزاج.

"إنتِ مالكيش أي لازمة يا أماني! مفيش فايدة منك خالص!".. صوت "حماتي الحاجة زينب" عليّ لدرجة إن فنجان الشاي اللي في إيدها كان هيقع من الرعشة. بقلم منال علي 
"وجودك في البيت زي قليته، زي اللي بيحرث في البحر! كل اللي بتعمليه إنك واخدة مكان، وبتاكلي وتشربي على قفانا. أكيد ابني كان متسلط عليه شيطان لما اتجوز واحدة زيك!"
بقلم منــال عـلـي 
فضلت ساكتة وأنا بدعك في الطاسة، والدهون مش راضية تطلع، والمية نازلة خيط رفيع وفاترة — السخان في "بيت العيلة الكبير" كان عطلان كالعادة.

قلت بهدوء وأنا بنشف إيدي في الفوطة:
"يا طنط زينب، أنا عاملة غدا النهاردة لستة أفراد، وكنست البيت مرتين، ومليت التلاجة بكل الطلبات اللي كتبتيها في الورقة، وكمان ساعدت كرم في التقرير بتاعه. إيه بالظبط من ده اللي شايفاه مش مفيد؟"

خبطت بإيدها على السفرة وصرخت:
"كل ده! ده العادي، ده أقل واجب! أي ست

بتعمل الكلام ده وهي مغمضة. إنتِ شايفة نفسك إنك بتعملي لنا جميل؟ اطلعي برة مش طايقة أشوفك. يا كرم! تعال هنا وقول لمراتك إننا مش محتاجين لـ... خدماتها دي!"

دخل "كرم" المطبخ وهو باصص في الأرض، وكتفه نازل، بيحاول يصغر نفسه عشان يهرب من وش أمه الغاضب.

قال بتلعثم:
"بصي يا أماني... الصراحة... أمي عندها حق، الجو في البيت بقى مشحون حصري على صفحه روايات واقتباسات يمكن أحسن فعلاً تروحي تقعدي عند أهلك كام أسبوع؟ عشان نهدا كلنا ونعرف نفكر."
بصيت له...
لبست القميص المكوي اللي كويته له الساعة ستة الصبح.
وبصيت لشعره الطويل اللي ورا رقبته — اللي بقالي أسبوع بقوله يحلق، وفي الآخر اضطررت أساوي الجناب بنفسي بالمكنة.
بقلم منال علي 
قلت بهدوء:
"كام أسبوع يا كرم؟ ماشي. بس نتفق على حاجة، هاخد كل حاجتي معايا. كل حاجة تخصني. و"الاستراحة" دي هتطول قوي."

لميت هدومي في ثواني. اكتشفت إن في البيت الكبير ده، اللي عشت فيه تلات سنين، كل اللي أملكه فعلاً يتحط في شنطتين بس.
باقي الحاجات يا "بتاعتنا"، يا "بتاعة ماما"، يا "ورث العيلة".

صاحت الحاجة زينب من

ورايا:
"واوعي تنسي تسيبي مفتاح المخزن! المخللات والحاجات بتاعتي هناك، ملكيش دعوة بيها!"

حطيت المفاتيح على الكونسول في الطرقة.
جنبها كانت ورقة فيها "باسورد" الواي فاي، وجدول سقي نباتات الزينة، ورقم "عم صابر" السباك — الوحيد اللي عارف يخبط خبطتين في ماسورة القبو عشان المية السخنة ترجع تجري في الحنفيات.

وقفت ثانية... وبعدين قطعت الورقة وحطيتها في جيبي.
لو أنا "عديمة الفايدة" زي ما بتقول....
يبقى خبرتي دي ومجهودي
يروحوا لو أنا "عديمة الفايدة" زي ما بتقول… يبقى أكيد الورقة دي مالهاش أي قيمة.
بصيت لآخر مرة على المطبخ.
المكان اللي قضيت فيه ساعات عمري… بين طاسة بتتغسل، وعجينة بتتخمر، وسخان لازم له "خبطتين مخصوص" عشان يرضى يشتغل.
فتحت الباب… وخرجت.
أول يوم من غيري عدى عادي.
الحاجة زينب قالت بثقة وهي بتقلب في المطبخ:
"هو البيت هيقف عليها يعني؟ ده إحنا كنا عايشين قبل ما تيجي."
لكن تاني يوم… بدأت الحاجات الصغيرة تبان.
المية السخنة اختفت.
السخان رفض يشتغل مهما خبطوا في المواسير.
التالت يوم…
نباتات الزينة في الصالة بدأت تصفر.
الرابع يوم…
النت

قطع.
وقعد كرم قدام الراوتر يضغط الزرار ويقول بتوتر:
"هو الباسورد إيه؟"
ردت الحاجة زينب بعصبية:
"ما كانت كتباه في ورقة هنا!"
فتشوا في كل مكان…
لكن الورقة كانت اختفت.
بعد أسبوع…
المطبخ بقى فوضى.
الطلبة في التلاجة خلصت.
المخللات اللي كانت الحاجة زينب بتتباهى بيها… باظ نصها.
والبيت الكبير… بقى هادي بشكل غريب.
مش هدوء الراحة…
هدوء الفوضى اللي محدش عارف يلمها.
في الليلة دي، كرم أخيراً مسك الموبايل.
اتصل بيا.
صوته كان متردد:
"أماني… إنتِ عاملة إيه؟"
قلت بهدوء:
"كويسة."
سكت شوية… وبعدين قال:
"بصراحة… البيت مش زي الأول."
ضحكت ضحكة خفيفة.
"أكيد… لأن مفيش حد عديم الفايدة فيه دلوقتي."
سكت.
واضح إنه فهم.
بعد لحظة قال بصوت منخفض:
"ممكن ترجعي؟"
بصيت حواليا.
شقة صغيرة…
بس هادية.
كوب شاي دافي…
محدش بيصرخ فيه.
قلت بهدوء شديد:
"لا يا كرم…
أنا أخدت بنصيحتك."
"استريحت…
وبفكر كويس."
وبعدين قفلت المكالمة.
بعد شهرين…
وصلني خبر من جارتي القديمة.
كرم بقى بيغسل المواعين بنفسه.
والحاجة زينب بقت كل يوم تقول:
"البنت دي كانت شايلة البيت كله… وإحنا مش حاسين.
"
ابتسمت بس.
لأني أخيراً فهمت حاجة واحدة:
أحياناً…
الناس ما بتعرف قيمة وجودك
إلا بعد ما تختفي.

تم نسخ الرابط