مات جوزي
مات جوزي من خمس سنين…
ومن يومها وأنا عايشة بين الشغل والبيت وتربية ابني آدم.
كل شهر في يوم 5 تحديدًا…
كنت بروح لحماتي وحمايا وأديهم 2000 جنيه علشان أسدد الدين اللي قالوا إن جوزي سابه وراه لما سافر يشتغل بره.
كنت بدفع المبلغ وأنا ساكتة…
يمكن علشان ضميري…
أو علشان أحافظ على ذكرى جوزي.
لكن جملة واحدة قالتها جارتي…
غيرت كل حاجة.
قالتلي:
"بطلي تبعتي لهم فلوس… وبصي في كاميرا المراقبة."
تاني يوم فتحت التسجيل.
ريحة الرطوبة المختلطة بريحة المجاري اللي ما اتنضفتش بقالها سنين ضربت في وشي أول ما طفيت موتور السكوتر تحت العمارة.
العمارة القديمة دي موجودة في قلب إمبابة في القاهرة بقالها أكتر من سبعين سنة…
متهالكة… متشققة… زي حال الناس اللي عايشة فيها.
ركنت السكوتر الأحمر بتاعي جنب الحيطة…
في نفس المكان اللي بركن فيه بقالي خمس سنين.
النهارده يوم 5 في الشهر.
اليوم اللي لازم أطلع فيه أنا…
سلمى… أرملة عندي 32 سنة…
وأدفع القسط الشهري من الدين اللي كان على جوزي الله يرحمه.
عدلت الشنطة على كتفي…
وإيدي لمست الظرف اللي جوه الجيب الداخلي.
2000 جنيه.
مبلغ يمكن صغير بالنسبة لناس كتير…
لكن بالنسبة لي كان جزء كبير من مرتبي.
فلوس كنت ممكن أشتري بيها لابني لبس جديد…
أو أوفرها لمستقبله.
لكن كل شهر…
كنت باخدها وأطلع بيها السلم.
خمسة أدوار
السلم كان ضلمة…
والنور الوحيد جاي من شباك مكسور في الدور التالت.
كنت بطلع الدرجات واحدة واحدة…
ونفسي بيتقطع.
مش بس من التعب…
من الشعور اللي جوايا.
إحساس إن في حاجة غلط…
بس أنا باختار ما أفكرش فيها.
وصلت للدور الأخير.
باب شقة حماتي كان مفتوح نص فتحة.
خبطت.
طلعتلي حماتي الحاجة نوال.
بصتلي نظرة باردة وقالت:
"جبتِ الفلوس؟"
ما قالتش اتفضلي…
ولا حتى إزيك.
طلعت الظرف…
وادتهولها.
فتحته بسرعة…
وعدت الفلوس.
وبعدين قالت:
"لسه باقي شهرين."
هزيت راسي…
ولفيت أمشي.
لكن وأنا نازلة السلم…
سمعت صوت ضحك عالي جاي من جوه الشقة.
ضحك…
وموسيقى.
استغربت.
لأنهم دايمًا كانوا بيقولوا إنهم عايشين بالعافية.
لكن ما وقفتش أفكر كتير.
نزلت…
ركبت السكوتر…
ورجعت البيت.
بعد يومين…
كنت راجعة من الشغل.
لقيت جارتي اللي ساكنة تحت…
أم حسام… واقفة مستنياني.
قالتلي:
"يا سلمى… ممكن أكلمك دقيقة؟"
قلت:
"طبعًا."
بصت حواليها كأنها خايفة حد يسمع…
وبعدين قالت:
"إنتي لسه بتبعتيلهم فلوس كل شهر؟"
قلت:
"آه… لسه شهرين."
هزت راسها وقالت:
"طب بطّلي."
اتجمدت مكاني.
قلت:
"ليه؟"
قربت مني وقالت بصوت واطي:
"بصي في كاميرا المراقبة بتاعة العمارة الأول."
استغربت.
قلت:
"كاميرا إيه؟"
قالت:
"اللي فوق باب العمارة… ابني مركبها من سنة."
بصتلها بعدم فهم.
فقالت
"إنتي لازم تشوفي مين بيطلع ويخش شقة حماتك كل ليلة."
تاني يوم…
بعد ما آدم نام…
فتحت التسجيل.
رجعت للفيديوهات.
الأيام اللي فاتت.
وبعدين…
وصلت لفيديو يوم 5 اللي فات.
الكاميرا كانت مصورة مدخل العمارة.
شفت نفسي داخلة…
طالعة السلم.
وبعدها بربع ساعة…
نزلت.
لكن اللي حصل بعد كده…
هو اللي خلّى الدم يتجمد في عروقي.
بعد نص ساعة…
وقفت عربية فخمة قدام العمارة.
نزل منها راجل شيك…
ومعاه ست لابسة دهب كتير.
طلعوا العمارة…
ودخلوا شقة حماتي.
بعدهم…
جت عربيات تانية.
ناس داخلة…
وضحك…
وصوت موسيقى.
وقفت الفيديو…
وقلبي بيدق بسرعة.
رجعت التسجيل لليل.
الساعة كانت 2 الفجر.
الكاميرا صورتهم وهم نازلين…
حماتي…
وحمايا…
ومعاهم نفس الناس…
بيضحكوا…
وحماتي كانت شايلة شنطة شكلها تقيل.
في اللحظة دي…
بدأت أفهم.
الـ 2000 جنيه اللي كنت بدفعهم كل شهر…
ما كانوش بيروحوا لأي دين.
كانوا بيضيعوا في سهرات ومصاريفهم.
لكن الصدمة الحقيقية…
ما كانتش هنا.
وأنا بقفل الفيديو…
لاحظت حركة غريبة.
رجعت التسجيل تاني.
الساعة كانت تقريبًا 3 الفجر.
باب العمارة اتفتح…
وحماتي وحمايا كانوا نازلين بسرعة.
لكن المرة دي…
كان معاهم طفل نايم على كتف ست.
قربت الصورة أكتر…
الولد كان لابس تي-شيرت أزرق عليه شخصية كرتونية.
نفس التي-شيرت…
اللي أنا شاريه
قلبي دق بعنف.
قلت لنفسي:
"مستحيل… أكيد شبهه."
لكن لما النور وقع على وش الطفل…
اتجمدت.
كان آدم.
ابني.
رجعت الفيديو بسرعة…
ودورت قبلها بدقايق.
ولقيت المشهد اللي وضّح كل حاجة.
الساعة 9 بالليل…
حماتي طالعة العمارة شايلة آدم.
في نفس الوقت…
اللي كنت فيه أنا في الشغل.
وقتها افتكرت إن آدم كان عند المربية الجديدة اللي بدأت تشتغل معايا من أسبوع.
وفهمت الحقيقة.
المربية كانت بتسلم ابني لحماتي.
كل ليلة.
فضلت باصة للشاشة وأنا مش قادرة أستوعب.
ليه يعملوا كده؟
كملت الفيديو.
بعد شوية…
رجعوا العمارة تاني.
آدم رجع معاهم…
ونام .
كأن حاجة ما حصلتش.
في اللحظة دي…
حسيت إن قلبي بيتكسر.
أنا كنت بدفع لهم فلوس كل شهر…
وأثق فيهم…
وهم بياخدوا ابني من ورايا.
من غير ما أعرف.
قفلت اللابتوب…
وإيدي بتترعش.
لكن بدل ما أنهار…
قررت أتصرف.
لبست هدومي…
وركبت السكوتر.
الساعة كانت 4 الفجر.
وقفت قدام قسم الشرطة.
ودخلت.
قلت للضابط:
"أنا جاية أبلغ عن حاجة حصلت لابني… وعندي دليل."
عرضت عليه الفيديو.
الضابط تابع التسجيل بهدوء.
وبعدين قال:
"إحنا هنتحقق من الموضوع فورًا."
في نفس اليوم…
رجعت البيت.
وأول حاجة عملتها…
إني لغيت شغل المربية فورًا.
ومن اليوم ده…
ما سبتش آدم مع أي حد.
وفي الشهر اللي بعده…
ما طلعتش السلم…
ولا خدت الظرف.
حماتي اتصلت
لكن لأول مرة من خمس سنين…
قلت لها بهدوء:
"الفلوس خلصت."
وسكتت.
قفلت المكالمة…
وبصيت لآدم وهو نايم.
وقتها فهمت حاجة مهمة.
مش كل دين لازم يتدفع.
وفي ديون…
أول ما تكتشف حقيقتها…
لازم تقفل بابها للأبد.