اسمي

لمحة نيوز

اسمي إيميلي كارتر، وعمري ما هنسى اليوم اللي جوز أختي دخل فيه جنازتها… وماسك في إيده ست تانية، كأن الحزن بالنسبة له مجرد دور يلبسه ويخلعه وقت ما يحب.
الكنيسة الصغيرة في بلدنا في تكساس كانت مليانة زهور الليلي البيضاء، والناس بتصلي في هدوء.
أختي ليلي كانت نايمة في تابوت مقفول قدام الكل.
كانت حامل في الشهر الثامن… في الأسبوع الـ32 بالظبط… لما “وقعت” من على السلم.
ده اللي جيسون قاله للناس.
حادثة.
مأساة.
حاجة ماكانش ممكن تتمنع.
بس أنا؟
ما صدقتهوش لحظة.
لما باب الكنيسة اتفتح… الجو كله اتغير.
جيسون دخل لابس بدلة سودة، ووشه عامل نفسه حزين بشكل مثالي.
وجنبه ست طويلة شعرها غامق، لابسة فستان أسود ضيق، وماسكة دراعه كأن ده مكانها الطبيعي.
أمي شهقت.
وقالت وهي بتعصر إيدي:
“هو بجد بيعمل كده؟!”
بلعت ريقي وقلت بصوت واطي:
“أنا عارفاها… راشيل… الـ(زميلة في الشغل).”
قبل كده بكام شهر كنت بشوف الاسم ده بينوّر على موبايل ليلي أكتر من مرة.
الناس حواليّنا بدأوا يبصوا لبعض.
همسات ابتدت تنتشر زي البقعة.
ناس تبص… وبعدين تبص بعيد… وبعدين ترجع تبص تاني.
جيسون عمل نفسه مش شايف حاجة.
بكل بجاحة، أخد راشيل ومشي بيها لحد الصف الأول… صف أختي… وقعدوا فيه.
وبعدين خلاها تسند راسها على كتفه كأنها هي اللي مكسورة من الحزن.
كأنها هي الأرملة.
النار طلعت في صدري.
قمت واقفة، وكنت مستعدة أمسكها من دراعها وأطلعها

برا الكنيسة بنفسي.
أبويا مسك إيدي بسرعة.
وقاللي وهو بيجز على سنانه:
“مش هنا يا إيمي… مش وقت المراسم.”
القس بدأ يتكلم عن ليلي…
عن طيبتها… ضحكتها…
وعن الإحساس بالأمان اللي كانت بتديه لأي حد يقرب منها.
واتكلم كمان عن الطفل اللي كانت شايلها في بطنها… ولد…
وكانت ناوية تسميه نوح.
أنا تقريبًا ما كنتش سامعة حاجة.
كل تركيزي كان على جيسون.
مش قادرة أفهم إزاي راجل يقول إنه بيحب مراته…
وبعد كام أسبوع بس من موتها هي وابنها…
يجيب عشيقته جنازتها.
بعد ما الترنيمة الأخيرة خلصت…
الناس قامت من أماكنها.
الخشب بتاع الكراسي صرّ.
والقاعة كلها كأنها أخدت نفس واحد طويل.
وساعتها… راجل لابس بدلة رمادي مشي في الممر.
كان شكله في الخمسينات، عينيه هادية، وماسك شنطة جلد.
وقال بصوت مسموع:
“لو سمحتوا.”
صوته رن في الكنيسة اللي سكتت فجأة.
“اسمي دانيال هايز… وأنا محامي ليلي ريد.”
جيسون رفع راسه بسرعة.
وقال بضيق:
“دلوقتي؟ بجد؟ هنفتح الموضوع ده دلوقتي؟”
المحامي ما رمش حتى.
وقال ببرود:
“مراتك سابت تعليمات واضحة جدًا.”
“الوصية لازم تتفتح وتتقري النهارده… هنا… قدام عيلتها… وقدامك أنت كمان.”
الكنيسة كلها سكتت تمامًا.
إيد راشيل شدت على دراع جيسون.
المحامي فتح الملف… وبص مباشرة لجيسون.
وقال ببطء:
“في فقرة… ليلي أصرت إنها تتقري بصوت عالي… أثناء جنازتها.”
كل العيون في الكنيسة اتوجهت ليه.
لأن لما واحدة ميتة تسيب
تعليمات زي دي…
نادرًا جدًا بيكون فيها حاجة لطيفة.
المحامي مسح حلقه.
وقبل ما يبدأ يقرا… وش جيسون اتغير للحظة واحدة بس.
مش حزن.
مش كآبة.
خوف.
ولما المحامي بدأ يقرا آخر كلمات ليلي…
الهوا في الكنيسة بقى تقيل… كأن الحقيقة جاية تاخد كل الأكسجين اللي في المكان.
المحامي فتح الورقة وبص فيها لحظة… وبعدين بدأ يقرا بصوت واضح خلى الكنيسة كلها تسكت كأن مفيش نفس بيتاخد.
قال:
“إلى كل اللي موجودين هنا…
لو الرسالة دي بتتقرأ دلوقتي، يبقى أنا خلاص ما بقيتش في الدنيا.”
الناس بصوا لبعض بقلق.
المحامي كمل:
“أنا ليلي ريد… ولو موتي اتقال عليه حادثة… فأنا عايزة الكل يعرف إني كنت خايفة قبل ما أموت.”
همهمة خفيفة مشت بين الناس.
جيسون اتحرك في مكانه بتوتر.
المحامي كمل يقرا:
“لو حصل لي حاجة… فأنا بطلب رسميًا من المحامي بتاعي إنه يسلم التسجيل اللي سيبته للشرطة.”
الكنيسة كلها اتجمدت.
جيسون قال بسرعة: “إيه الكلام الفارغ ده؟!”
لكن المحامي ما بصّلوش حتى… وكمل القراءة.
“أنا كتبت الوصية دي بعد ما اكتشفت إن جوزي جيسون… على علاقة بواحدة اسمها راشيل.”
كل العيون اتجهت فجأة للست اللي قاعدة جنبه.
راشيل سحبت إيدها من دراعه بسرعة.
المحامي رفع عينه لحظة وبعدين قال:
“ليلي كمان طلبت إن يتقال قدام الكل إن يوم قبل موتها… كان بينها وبين جيسون خناقة كبيرة.”
الناس ابتدت تهمس.
المحامي قفل الورقة شوية وبعدين فتحها تاني
وقال:
“لكن في جملة أخيرة… أصرت إنها تتقري.”
وبص مباشرة لجيسون.
“قالت:
لو أنا مت… يبقى جيسون عارف الحقيقة… لأنه آخر شخص كان معايا على السلم قبل ما أقع.”
الكنيسة كلها انفجرت بالهمس.
واحدة من قرايبنا قالت بصوت عالي: “يعني إيه آخر واحد؟!”
وش جيسون بقى أبيض.
وقال بعصبية: “ده كلام كذب! هي كانت متوترة بس!”
لكن المحامي رفع إيده بهدوء.
وقال:
“لسه ما خلصتش.”
وطلع من الشنطة فلاشة صغيرة.
“ليلي سابت تسجيل صوتي… واتقال في الوصية إنه يتشغل لو جيسون حاول ينكر.”
القلب في صدري كان بيدق بجنون.
المحامي سلّم الفلاشة لواحد من رجال الكنيسة، وشغلوها على السماعات.
وفي لحظة… صوت أختي ليلي ملأ المكان.
كانت بتتنفس بسرعة… وكأنها بتتكلم وهي خايفة.
قالت:
“جيسون… سيب دراعي! أنا حامل!”
الكنيسة كلها اتجمدت.
وصوت جيسون طلع في التسجيل… واضح جدًا:
“بطلي دراما يا ليلي… أنا تعبت منك!”
وصوتها رجع… مرتعش:
“لو دفعتني… أنا ممكن أموت… والبيبي كمان!”
وبعدها…
صوت صرخة.
وصوت حاجة بتخبط في السلم.
التسجيل وقف.
الكنيسة بقت صامتة بشكل مرعب.
كل العيون اتوجهت لجيسون.
راشيل قامت من مكانها وبصت له بصدمة: “أنت قلتلي إنها وقعت لوحدها!”
لكن قبل ما يرد…
باب الكنيسة اتفتح فجأة.
واتنين من الشرطة دخلوا.
واحد منهم قال بصوت واضح:
“جيسون ريد… أنت مقبوض عليك بتهمة قتل زوجتك والتسبب في وفاة طفلها.”
جيسون حاول يتكلم… لكن صوته ما
طلعش.
والناس كانت بتبصله كأنهم شايفين وحش لأول مرة.
وأنا؟
كنت واقفة قدام تابوت أختي…
وحسيت لأول مرة إن العدالة بدأت.
حتى لو متأخرة.

تم نسخ الرابط