رفضت
رفضت أدفع الفاتورة في المطعم الفخم ده، حماتي ابتسمت وهي بتستمتع باللحظة.. وفجأة— "تششش!"— كاس عصير اتدلق في وشي بغل. "هتدفعي، ولا كل اللي بيننا يخلص وتطلقي هنا حالاً،"
قالها وهو بيتمطوح من العصبية. حسيت بالسكوت وهو بيقطع في جلدي، وقلبي.. ولّع نار. مسحت وشي براحة، وبصيت في عينيه مباشرة وقلت له: "تمام أوي." لأن اللي عملته بعدها م خلاهومش بس مذهولين.. ده خلاهم في حتة سد ومسدود عليهم كل الأبواب.
أنا اسمي نور، ولحد الليلة دي كنت لسه بحاول أقنع نفسي إن جوازي من حازم مجرد "فترة صعبة وهتعدي". أمه، ناهد هانم، "عزمتنا" على العشا في مطعم غالي أوي في الزمالك — من النوع اللي إضاءته خافتة، وكاساته كريستال، والويترية بيتكلموا فيه وهم بيوشوشوا. من أول ما وصلنا، وناهد هانم عايشة دور الملكة: طلبت الأكل للكل من غير ما تسألنا، عدلت على كلام "السوميلييه"، وكل كلمة سم كانت بتقولها كانت بتغلفها بابتسامة صفرا شيك. "يا نور، إنتي دايماً.. عملية زيادة عن اللزوم،" كانت بتقولها كأنها شتيمة. وحازم كان بيضحك معاها. ضغطت على الفوطة اللي في إيدي، وأخدت نفس عميق، وقلت لنفسي: "استحملي عشان المركب تسير."
العشا كان عبارة عن "عرض مسرحي". مقبلات م اختارتهاش لحمه من اغلا نوع لحمه ياباني ، سعرها يخض حازم صمم يطلبهم"عشان ماما تستاهل"، وحلوى ناهد اختارتها بس عشان تلمح إن اختياري أنا كان هيبقى "بلدي وبسيط". لما الفاتورة جت، الويتر حطها قدام حازم بمنتهى الشياكة. هو م بصش فيها حتى.
زقها ناحيتي بكل برود. "ادفعي إنتي،" قالها كأن ده الطبيعي
بصيت على الرقم الإجمالي. كان رقم خيالي، وكان فيه "إضافات" م طلبتهاش أصلاً. الموضوع مكنش موضوع فلوس — الموضوع كان "الفخ"، الذل، الرسالة الواضحة إني لازم أسمع الكلام وأنا مغمضة. "أنا مش هدفع تمن حاجة م أكلتهاش،" رديت ببطء وأنا بحاول أخلي صوتي ثابت. حازم بص لي كأنه أول مرة يشوفني. ناهد طلعت ضحكة رفيعة كأنها دبوس دخل في قلبي. "يا حبيبي يا حازم، مش أنا قلت لك إنها..." بدأت كلامها، بس حازم قاطعها وهو بيرفع إيده.
وفجأة، ومن غير أي مقدمات، حازم مسك الكاس بتاعه وحذف العصي في وشي بكل غل. حسيت ببرودة السائل وهو بيغرقني، وريحته لزقت في جلدي، وفستاني اتبل، ونظرات الناس اللي في المطعم بدأت تتصوب ناحيتي زي السكاكين. "هتدفعي، ولا كل اللي بيننا يخلص هنا وحالاً،" قالها وهو بيميل عليا وضامم سنانه على بعضها وبيهددني. المطعم كله سكت، كأن الهوا نفسه وقف مبيتحركش. مسحت خدي بالراحة — مكنتش هادية، كنت بركان غضب بس كاتماه. رفعت عيني وبصيت في عينيه مباشرة وهمست: "تمام.. اللي تشوفه." ومديت إيدي في شنطتي.. بس مكنتش بطلع الفيزا.. كنت بطلع الموبايل.
لما فتحت الموبايل، لاحظت إن صوابعي كانت بترتعش، بس عقلي كان صافي لدرجة خضتني. مكنتش هصوت ولا هعيط هنا عشان ماديهمش متعة الانتصار دي. حازم رجع بضهره لورا على الكرسي بابتسامة صفرا، كأنه خلاص كسب الجولة. ومدام ناهد فضلت
حازم خبط بلسانه كدة بحركة مستفزة: "ماتعمليش فضيحة يا نور، لمي الدور." م رديتش عليه لكن.
م رديتش عليه… لكن بصيت له نظرة هادية خالص خلت ابتسامته تتجمد لحظة.
بعد دقايق قليلة، مدير المطعم جه بسرعة ومعاه فرد أمن. كان باين على وشه إنه فهم إن في مشكلة كبيرة. بص لي بقلق وقال بهدوء:
"مدام، في حاجة نقدر نساعد فيها؟"
رفعت الموبايل شوية وقلت:
"أيوه. قبل أي حاجة… أنا سجلت اللي حصل من أول ما الكاس اتحدف عليا."
السكوت اللي حصل ساعتها كان تقيل لدرجة إنك تقدر تسمع صوت الملاعق من بعيد.
وش حازم اتغير في لحظة. ابتسامته اختفت.
"إيه الكلام الفارغ ده؟" قالها بسرعة وهو بيحاول يضحك.
لكن أنا كنت لسه مكملة:
"والتسجيل واضح فيه التهديد قدام الناس كلها. وفيه كمان إن الفاتورة اتزقت لي غصب عني."
مدير المطعم بص لحازم ثم لناهد هانم، وبعدين قال بجدية:
"إحنا آسفين جداً على اللي حصل داخل المطعم… لكن رمي مشروب على زبون تاني وتهديده ده تصرف غير مقبول."
ناهد هانم حاولت تتدارك الموقف بسرعة وقالت بابتسامة مصطنعة:
"يا ابني دي مشاكل عائلية صغيرة… متكبرش الموضوع."
بس أنا رفعت إيدي بهدوء وقلت:
"لا، الموضوع مش صغير. وأنا دلوقتي بطلب نسخة من كاميرات المراقبة."
حازم اتعدل في كرسيه بعصبية:
"
بصيت له بنفس الهدوء وقلت:
"فاهمة كويس. إنت قلت: يا أدفع… يا نتطلق هنا حالاً. صح؟"
اتردد لحظة… لكنه قال بعناد:
"أيوه."
ابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة من بداية الليلة.
"تمام… يبقى خلينا نكمل للنهاية."
وبهدوء فتحت الموبايل… لكن المرة دي مش التسجيل.
فتحت محادثة قديمة… ووريت الشاشة لمدير المطعم.
كانت رسائل صوتية من حازم نفسه… بيطلب مني قبل العشا بساعتين إني "أعمل نفسي معترضة شوية" عشان أمه تحس إنها كسبت النقاش.
لكن الرسالة الأخيرة كانت أهم.
فيها صوته واضح وهو بيقول:
"لو نور رفضت تدفع، هضغط عليها قدام الناس عشان تتعلم تسمع الكلام."
مدير المطعم سكت… ورجل الأمن قرب خطوة.
ناهد هانم شهقت:
"إيه ده؟!"
أما حازم… فوشه بقى أبيض حرفياً.
أنا ساعتها مسحت بقايا العصير من على خدي، ووقفت بهدوء وقلت:
"الفاتورة مش مشكلتي… لأن اللي طلب الأكل هو اللي يدفعه."
وبعدين بصيت لحازم نظرة أخيرة وقلت بصوت مسموع لكل اللي حوالينا:
"أما بالنسبة للطلاق… فأنا موافقة."
اتجمد مكانه.
لكن الصدمة الحقيقية جت بعدها لما كملت كلامي:
"بكرة الصبح هقدم التسجيلات دي للمحامي… ومعاها طلب طلاق رسمي بسبب الإهانة والتهديد قدام شهود."
القاعة كلها بقت همس.
ناهد هانم حاولت تمسك دراعه وهي بتقول بتوتر:
"ادفع الفاتورة يا حازم وامشوا."
لكن حازم كان واقف… تايه… مش عارف يرد.
أما أنا؟
خدت شنطتي… وعدلت الفستان المبلول… ومشيت ناحية الباب.
وقبل ما أخرج، سمعت مدير المطعم بيقول بهدوء:
"يا فندم… الحساب."
ساعتها بس فهم حازم إن الليلة
هي نفسها اللي خسر فيها كل حاجة.