أبويا

لمحة نيوز

أبويا لمحني وأنا بجرّ رجلي في الشارع، شايلة ابني على جنب وشنط الخضار معلّقة في دراعي التاني.
قالّي:
"عربيتك فين؟"
ردّيت وانا واطية صوتي:
"أمه أخدتها… قالتلي المفروض أبقى ممتنّة إنهم سايبينا نقعد عندهم."
أبويا ما جادلش. ما سألش كتير. فتح باب العربية اللي جنب السواق وقال بهدوء:
"اركبي. الموضوع ده هيتحلّ الليلة."
هما ما كانوش يعرفوا أبويا على حقيقته… لحد ما وقف على بابهم، واللون راح من وشّهم.
كاحلي الشمال كان وارم لدرجة إن الجزمة بالعافية داخلة. كل خطوة كانت بتطلع ألم طالع لحد رجلي كلها، بس كنت بكمل. لأني لو وقفت، هفكر. ولو فكرت… هنهار.
ماتيو عنده 11 شهر، تقيل على دراعي. شعره المبلول لازق في خدي، وصوابعه المليانة آثار أكل بتخبط على عظمة الترقوة وهو بيدندن كأن الدنيا حوالينا مش بتقع.
شنطة الخضار كانت قاطعة في كف إيدي. كرتونة اللبن بتخبط في ركبتي مع كل خطوة. ولسه فاضل نص كيلو تقريبًا على الشقة، وحر مونتيري كان نازل علينا زي بطانية نار.
كل اللي كنت عايزاه أوصل قبل ما ماتيو يعيّط.
عربية هديت جنبي. جسمي اتشدّ لوحده.
وبعدين سمعت اسمي.
"كاميلا؟"
بصّيت… لقيت أبويا ورا الإزاز، عينه مليانة صدمة.
"بابا…" قلتها وصوتي أضعف مما كنت متخيّلة.
ركن فورًا، ولّع الانتظار، ونزل قبل ما الموتور حتى يهدى. كان لسه لابس قميص الشغل وعليه لوجو شركة الكهرباء CFE، دراعه مسمّرين من الشمس. دايمًا شكله راجل في نص حاجة بيصلّحها.


عنيه نزلت على كاحلي، بعدين على ماتيو، بعدين على الشنط — كأنه بيجمع أدلّة.
قال:
"بتمشي ليه؟ عربيتك فين؟"
بطني اتقبضت. كنت محضّرة ردود للناس الغريبة… مش لأبويا.
حاولت أبان إن الموضوع عادي.
بس ما كانش عادي.
ولا حاجة كانت عادي.
بلعت ريقي وقلت:
"أم لويس أخدتها… قالت إني المفروض أبقى شاكرة إنهم سايبينا نقعد عندهم."
سكت لحظة. بصّلي كأنه سمع حاجة مش راضي يستوعبها.
وبعدين فكه شدّ.
قال بهدوء مخيف:
"مين دي ‘أمه’؟"
"أم لويس… روزا."
الاسم تقيل في الهوا. فتح مناخيره وبص ناحية العمارات كأنه شايف من خلال الحيطان.
قال:
"تقصدِي العربية اللي إنتي بتدفعي أقساطها؟"
بصّيت للأرض.
"متسجّلة باسم لويس… هي شايفة إن طالما عايشة تحت سقفها، يبقى هي اللي تقرر مين يسوقها."
رمش مرة واحدة بس.
"إنتي عايشة تحت سقفها؟"
برد عدى في ضهري.
"بعد ما لويس خسر شغله، ما قدرناش نكمّل في شقتنا. أهله قالوا نقعد عندهم لحد ما نقف على رجلينا."
قال ببرود:
"وفي المقابل… ياخدوا وسيلة مواصلاتك."
ما رديتش. ماتيو اتحرك في حضني، وكاحلي بيوجعني أكتر.
أبويا أخد الشنطة من إيدي كأنها ولا حاجة، وفتح باب العربية.
"اركبي."
قلت بخوف:
"بابا…"
خوف من كلام لويس. من كلام روزا. من الإحساس الدائم إن احتياجي للمساعدة غلطتي أنا.
قاطعني بهدوء:
"كاميلا. اركبي. الموضوع ده هيتحلّ النهارده."
في نبرته كان في ثبات خلاني أعيّط من غير ما أعيّط.
لسه مترددة.
قرب مني وقال
واطي:
"يا بنتي، إنتي بتعرجي في الشارع شايلة حفيدي عشان حد عايزك تحسي إنك محبوسة."
عيني حرقتني.
قلت:
"أنا مش عايزة خناقة."
ردّ بنفس الثبات:
"يبقى ما كانوش يبدأوا واحدة."
مسك ماتيو برفق لحد ما ركبت من غير ما ألفّ رجلي. ماتيو بصّله… وابتسم.
ربطه في الكرسي ورا بتركيز واحد خلاص قرر إن الساعة الجاية أهم من راحة أي حد.
وبعدين مسك الدركسيون بإيد قوية… كأنه داخل على عاصفة.
أنا كنت عارفة رايحين فين.
وعارفة إن روزا هتقول إني جاحدة.
بس لأول مرة من زمان…
ما كنتش حاسة إني لوحدي.العربية وقفت قدام بيتهم بعد عشر دقايق بس… بس حسّيتهم زي ساعة كاملة.
قلبي كان بيدق جامد.
كنت متعودة أدخل البيت ده وأنا حاسة إني صغيرة… مدينة… عاملة غلط.
المرة دي كنت قاعدة جنب أبويا.
وده فرق كل حاجة.
أبويا نزل الأول. قفل الباب بهدوء، ولف ناحيتي.
"استني هنا."
هزّيت راسي. جزء مني كان عايز يستخبى. وجزء تاني… كان عايز يشوف.
الباب اتفتح قبل ما يخبط.
روزا كانت واقفة، وشها فيه نفس النظرة اللي دايمًا فيها — إحساس بالتفوّق المغلّف بابتسامة مصطنعة.
"أيوه؟"
أبويا ما ابتسمش.
"مساء الخير. أنا جاي آخد بنتي وحفيدي."
ابتسامتها اختفت سنة صغيرة.
"مش فاهمة."
"تفهمي دلوقتي."
لويس ظهر وراها، باين عليه التوتر.
"بابا كاميلا… الموضوع مش مستاهل—"
أبويا رفع إيده بهدوء.
"إنت اسكت. أنا بكلم والدتك."
روزا شبكت إيديها.
"إحنا فاتحين بيتنا ليهم. أقل حاجة تقدّر
ده."
صوته فضل هادي… بس تقيل.
"تقدّروا إزاي؟ إنكم تاخدوا عربيتها؟ تخلوها تمشي وهي بتعرج؟ شايلة طفل؟"
لويس بصلي من بعيد.
مش ندمان.
مش مكسوف.
بس متضايق إن الموضوع كبر.
روزا حاولت ترد:
"العربية باسم ابني. وهي عايشة عندنا—"
أبويا قطعها:
"والأقساط مين بيدفعها؟"
سكتت.
أبويا كمل:
"أنا ربيت بنتي تبقى شريكة… مش ضيفة. ولو وجودها هنا مش مريح ليكم، يبقى مش هتفضل دقيقة."
لفّ ناحيتي.
"انزلي يا كاميلا."
رجلي كانت لسه بتوجعني، بس نزلت.
المرة دي مش حاسة بالكسرة.
دخلت أخدت شنطتي الصغيرة وحاجات ماتيو.
روزا كانت واقفة في الصالة، باصة كأنها مستنية أعتذر.
ما اعتذرتش.
لويس قرب مني وهمس:
"إنتي مكبرة الموضوع."
بصّيت له لأول مرة من غير خوف.
"لا. أنا بس بطّلت أصغّره."
أبويا كان مستني عند الباب.
في إيده… مفاتيح العربية.
رماهم للويس.
"العربية خليها. بكرة الصبح هنخلص نقل الملكية رسمي، وكل جنيه بنتي دفعته هيرجع."
لويس فتح بقه يعترض.
أبويا قرب خطوة.
"ومتقلقش. أنا أعرف أجيب حقي بالقانون… وبغيره."
البيت كله سكت.
مسكت ماتيو، وخرجت.
وإحنا نازلين السلم، سمعت روزا بتقول:
"هترجعي."
ابتسمت لنفسي.
المرة دي كنت عارفة إني مش هرجع.
ركبت العربية جنب أبويا.
ساق من غير ما يتكلم شوية.
بعدين قال بهدوء:
"البيت مفتوح ليكي. مش كرم مني. ده حقك."
الدموع نزلت أخيرًا.
مش عشان الوجع.
ولا عشان الإهانة.
لكن عشان أول مرة حد وقف قدامهم… وما حاولش يرضيهم.

أول مرة حسّيت إن ظهري مسنود.
وأول مرة فهمت إن الامتنان الحقيقي…
مش إنك تستحملي القهر.
لكن إنك تمشي لما كرامتك تتاخد منك.
ومشيت.

تم نسخ الرابط