بعد سنتين
بعد سنتين من ما جوزي طلّقني واتجوز أعزّ صحبة ليا، كنت نايمة تحت كوبري، بردانة هدومي لازقة في جسمي وكرامتي مكسورة… وفجأة عربية SUV سودا فخمة فرملت قدامي.
الباب اللي ورا اتفتح، ونزل منه — يا للمصيبة — حمايا الغني.
وشّه كان شاحب، وصوته بيترعش وهو باصص لي كأني شبح: “اركبي العربية… قالولي إنك اختفيتي. إنك سافرتي. إنك متّي.”
بعد سنتين من يوم ما خافيير طلب الطلاق — وبعدها بتلات شهور اتجوز صاحبتي لوسيا — بقيت بنام تحت كوبري على نهر مانثاناريس في مدريد.
سقفي كان خرسانة مبلولة، وبطانية قديمة هي كل اللي فاضلي.
مدريد كانت عايشة حياتها فوق دماغي: عربيات، نور، ضحك طالع من الكافيهات… وأنا من زمان بطلت أحلم.
ليلة في فبراير، البرد كان داخل في عظمي. كنت مكورة نفسي على شنطتي لما سمعت
نور الفوانيس نزل عليّ من فوق.
أبواب بتتفتح. خطوات تقيلة بتنزل.
قعدت مفزوعة.
اللي شوفته خلاني أفتكر إني بهلوس.
راجل طويل بمعطف صوف غالي، إيشارب رمادي متربط بإتقان، وجزمة ما تعرفش يعني إيه طين.
الهوا بيحرّك شعره الرمادي، بس هيبته زي ما هي.
“ماريا…” صوته اتهز. “يا رب… إنتِ.”
بلعت ريقي: “دون إرنستو…”
إرنستو دي لا توري — حمايا السابق. أبو خافيير. واحد من أكبر رجال العقارات في مدريد.
الراجل اللي من سنتين كان بيشرب نخب جوازي وبيقول عليّ “بنت البيت”.
والبنت دي دلوقتي ريحتها رطوبة وهزيمة.
قرب خطوة وبصلي من فوق لتحت. “اركبي العربية”، قال بصوت مكسور.
“قالولي اختفيتي… وإنك سافرتي بره… وإنك متّي.”
ضحكت ضحكة ناشفة: “بالنسبة لناس كتير… أنا فعلًا مت.”
سكتنا
قال فجأة: “أنا محتاج مساعدتك.”
بصيت له باستغراب: “أنا؟ أنا ولا حاجة.”
قرب مني ووطي صوته: “وده السبب… محدش هيشك فيك. لأنهم فاكرينك انتهيتي.”
قشعريرة عدّت في ضهري: “أشك فيّ في إيه؟”
ثبت عينه في عيني: “في ابني.”
الكلمة وقعت تقيلة.
“خافيير بقاله سنة بيستخدم اسم الشركة في صفقات مزوّرة. أراضي وهمية. أوراق ناس ماتوا.”
قلبي دق بسرعة: “وأنا مالي؟”
“استخدم اسمك في عقود قديمة. توكيلات من وقت جوازك… وزوّر التواريخ.”
حسيت الأرض بتلف: “يعني أنا المتهمة؟”
هز راسه: “لو القضية اتفتحت دلوقتي… إنتِ اللي هتدخلي السجن.”
ضحكت بمرارة: “كالعادة… هو الضحية وإني المذنبة.”
العربية وقفت قدام فيلا ضخمة في حي راقي.
قال: “أنا عايز أوقعه قانونيًا. من غير فضيحة
بص لي: “وإنتِ الوحيدة اللي تقدري تدخلي حياته من غير ما يشك… لأنه مقتنع إنك انتهيتي.”
همست: “عايزني أرجع؟”
“مش كزوجة… كشبح.”
دخلنا الفيلا.
حمام دافي. هدوم نضيفة.
وأنا تحت المية حسيت إني بغسل سنتين من القهر… بس الجروح أعمق من أي صابون.
بعد ساعة، كنت قاعدة قدامه.
قدامي ملف تقيل.
عقود باسمي. توقيعات مزورة. أرقام تخوف.
قال: “لو مشيتي دلوقتي… هتفضلي مطاردة بالقانون.
ولو وافقتي… هتاخدي حقك.”
سألته: “ليه بتعمل كده؟ ده ابنك.”
عينيه لمعت: “لأني ربيته وسكت… وسكوتي عمل منه شخص ماعرفوش.”
قمت وقفت عند الشباك.
مدريد تحت رجلي… وأنا من ساعات كنت تحت كوبري.
لفيت له: “موافقة.”
ابتسامة مرّة عدّت على وشه: “بكرة… هتبدئي تموتي رسميًا.
عشان تولدي من جديد.”
وفي اللحظة دي فهمت:
أنا الورقة الأخيرة.
والدور… لسه جاي.