الطابور
الطابور اللي كان عايزها تمشي
الطابور كله في البنك كان متضايق من أمي اللي عندها ٨٩ سنة.
كان يوم جمعة بعد الظهر — اليوم اللي أعصاب الناس فيه بتبقى خلصانة. الراجل اللي واقف ورانا اتأفف بصوت عالي ومقصود عشان نسمعه.
أمي، إليانور، ما اهتمتش.
أو يمكن سمعت… واختارت تتجاهل.
كانت واقفة قدام شباك في اتحاد ائتماني، متسندة على عصايتها، جسمها صغير وشعرها فضي، ولابسة بالطو أزرق قديم. الطابور وراها كان واصل لحد الباب. ست لابسة يونيفورم مستشفى كانت بتخبط رجلها في الأرض بعصبية. حد تمتم وقال:
"معقول يعني!"
حسّيت وشي سخن من الإحراج.
قلت لها بهمس:
"يا ماما، لو سمحتي… المرة الجاية نستخدم الـATM وخلاص."
طنشتني.
كل تركيزها كان
الطلب
البنت اللي ورا الإزاز كان على بطاقتها اسم: ياسمين.
عينيها كانوا محمرين — الاحمرار اللي بييجي بعد عياط في البريك وتحاولي تباني طبيعية. حركتها كانت حركة حد شغال فوق طاقته.
أمي قالت بصوتها الرفيع بس الثابت:
"عايزة أسحب مية دولار… كلهم فكة خمسة دولار."
ياسمين استغربت:
"كلهم خمسة يا فندم؟"
"آه."
تحس إن الجو سخن فجأة.
الراجل اللي ورانا نفخ بضيق:
"ده بقى استهبال."
ياسمين اتنهدت بهدوء وبدأت تعد عشرين ورقة فئة خمسة دولار. ومرّرتهم من تحت الإزاز.
"اتفضلي."
أمي قالت بابتسامة خفيفة:
"شكراً يا بنتي."
وبعدين—
بدأت تعدهم تاني.
واحد.
ورا.
التاني.
قلت لها وأنا متضايق:
"يا ماما… بالله عليكي.
لكن كملت بهدوء.
"خمسة… عشرة… خمستاشر…"
كل رقم كان بيشد أعصاب الناس أكتر. الست بطلت تخبط رجلها. الهمهمة عليت. حد بص في ساعته تاني.
لما وصلت لمية…
سكتت لحظة.وبعد ما وصلت لمية…
رفعت عينيها وبصّت لياسمين من ورا الإزاز.
قالت لها بهدوء:
"تمام. دلوقتي لو سمحتي، عايزاكي ترجّعيهم تاني لحسابي."
المكان كله سكت.
ياسمين رمشت باستغراب.
"أرجّعهم تاني يا فندم؟"
أمي هزّت راسها.
"آه يا بنتي. بس الأول… خدي ورقة خمسة دول منك."
ومدّت لها ورقة.
الراجل اللي ورانا انفجر:
"إحنا بنهزر؟!"
لكن أمي ما بصّتش له. كانت عينيها على ياسمين بس.
قالت لها:
"الخمسة دول ليكي."
ياسمين اتجمدت.
"ليّا أنا؟"
أمي ابتسمت ابتسامة صغيرة دافية:
"آه. شوفت
أنا طلبت فكة عشان أعرف أديكي حاجة من غير ما حد يحس. ومن غير ما أحرجك."
المكان كله بقى ساكت… الصمت اللي فيه إحراج.
أمي كمّلت بهدوء:
"الناس كلها مستعجلة. بس محدش عارف حد شايل إيه جواه."
إيد ياسمين كانت بترتعش وهي ماسكة الورقة. عينيها لمعت.
"شكراً يا فندم… بجد شكراً."
أمي قالت:
"مفيش داعي تشكريني. لما ييجي يوم وتلاقي حد تعبان قدامك… اعملي زيه."
وبعدين لفّت ببطء، متسندة على عصايتها.
الراجل اللي كان بيتأفف بص في الأرض. الست اللي كانت بتخبط رجلها بقت ساكتة.
وأنا؟
كنت حاسس إن وشي بيسخن تاني… بس المرة دي من الفخر.
وأمي، إليانور، خرجت من البنك صغيرة في جسمها…
كبيرة قوي في معناها.