أختي

لمحة نيوز

أختي كلارا كلمتني في يوم من أيام أبريل، صوتها متوتر بس بتحاول تبان مبسوطة.
قالتلي:
“لوسيا، كل حاجة جاهزة لفرحنا في البيت الريفي في سيغوفيا، بس في مشكلة صغيرة كده بخصوص الأوض.”
أنا من جوايا كنت حاسة إن في حاجة مش لطيفة جاية. كنت واقفة مسنودة على ترابيزة المطبخ في الشقة اللي باشاركها في فايييكاس، وببص على المجات اللي كل واحدة شكل.
قلت لها:
“مشكلة إيه؟”
قالت بعد تردد:
“الأوض خلصت… أهل سيرخيو، الأجداد، العيال… وفي الآخر اضطريت أدي أوضتك لشريك سيرخيو في الشغل. جاي من بلباو، وراجل مهم جدًا. ماينفعش يتبعت أي حتة.”
حسّيت بوخزة في بطني.
قلت:
“طب وأنا هنام فين؟”
سكتت شوية، وبعدين قالت الجملة اللي فضلت بتاكل فيا شهور:
“عادي يا لوسيا، شوفي أي مكان قريب. إنتِ أصلاً بتتعاملي مع أي حاجة، صح؟”
لما حكيت لماما على واتساب، ماطبطبتش عليّ. كلمتني فورًا.
قالتلي:
“يا بنتي ما تكبّريش الموضوع. شريك سيرخيو رجل أعمال كبير، وممكن يفتح له أبواب كتير. إنتِ بقى متعودة على الهوستيل والحاجات الرخيصة. دي مجرد ويك إند.”
سكت. فهمت ساعتها إن في نظرها أنا “هوستيل وأماكن رخيصة”.
نفس الليلة دورت على مكان أقعد فيه. لقيت هوستيل صغير في قرية جنبهم. أوضة ضيقة، سرير واحد، حمام مشترك. بخمسين يورو في الليلة. حجزته وأنا إيدي بترتعش، وحسابي أصلًا على آخره.
يوم الفرح رحت البيت الريفي، لابسة فستان أزرق مستلفاه من زميلتي في الشغل. المكان من بره تحفة: حيطان حجر، عروق خشب، وورد في الشبابيك. من جوه

ضحك وكاسات بتخبط في بعض وعازف بيانو بيغني أغاني سابينا.
بصيت على لوحة توزيع الأوض. اسم شريك العريس، “خافيير أورتيغا”، متحطوط في جناح مطل على الجبل. اسمي مش موجود خالص. بلعت غلي وابتسمت لموظفة الاستقبال وقلت:
“ولا يهمك، أنا مش مبيتة هنا. جاية الفرح بس.”
الفرح كان مثالي. كلارا زي القمر، سيرخيو فخور، وماما ماشية بين الترابيزات كأن الفرح فرحها هي. أنا قعدت على طرف ترابيزة القرايب، بسمعهم بيتكلموا عن “مستقبل سيرخيو الكبير” بفضل شريكه.
بالليل، وهما كلهم نايمين في البيت الريفي، كنت أنا ماشية لوحدي في الطريق الضلمة رايحة للهوستيل، شايلة الكعب في إيدي. ريحة الأرض المبلولة والزرائب مالية الجو. كل خطوة كانت كأنها قلم على وشي.
تاني يوم بعد الفطار، ماما خدتني على جنب وقالت:
“كان ممكن تبتسمي أكتر يا لوسيا. كلارا لاحظت. وبصراحة، لازم تتعلمي ما تاخديش كل حاجة على صدرك. الدنيا دي للي عارف مقامه. خافيير مهم. إنتِ لأ.”
بدل ما أرد، ابتسمت. ابتسامة صغيرة هي فاكرها استسلام.
نفس الليلة، أول ما رجعت مدريد، فتحت اللابتوب. دخلت على حسابي في البنك، مواقع التوظيف، ومواقع الطيران. في أقل من ساعتين كنت بعتّة عشرين سي ڤي، واشتريت تذكرة اتجاه واحد لبرشلونة الأسبوع اللي بعده.
تاني يوم خرجت من جروب العيلة على واتساب من غير ما أقول كلمة. عملت بلوك لماما، وعملت ميوت لكلارا. حطيت حياتي في شنطة متوسطة: تلات بناطيل جينز، أربع تيشيرتات، اللابتوب، وكتب التسويق الإلكتروني.
لما القطر السريع
اتحرك من أتوتشا، كنت ببص لمدريد وهي بتبعد من الشباك. محدش كان يعرف إني ماشية. محدش سألني رايحة فين. ابتسمت تاني… لوحدي في القطر الفاضي تقريبًا.
واختفيت من حياتهم ستاشر شهر.بعد ستاشر شهر…
في مساء خريفي هادي، جرس الباب رن في بيت أختي كلارا.
كانت قاعدة في الصالون، شعرها مربوط بسرعة، ووشها مرهق. الفرح المثالي خلّف وراه حياة مش مثالية خالص. سيرخيو طول الوقت في الشغل، وشريكه “المهم” أخد الشركة في اتجاهات أكبر… وضغوط أكتر.
أمي كانت عندها، كالعادة، بتشرب قهوتها وبتنتقد كل حاجة حوالينها.
لما الباب رن، كلارا قامت تفتح وهي مش متوقعة حد.
ولما فتحت…
اتجمدت.
كنت أنا.
واقفة بهدوء، لابسة بدلة بسيطة شيك، شعري أقصر شوية، وملامحي أهدى. في إيدي شنطة جلد جديدة، مش كبيرة… بس واضحة إنها مش رخيصة.
فضلت ثواني تبصلي كأني شبح.
“لوسيا؟!”
ابتسمت نفس الابتسامة الصغيرة… بس المرة دي ما كانتش استسلام.
دخلت من غير ما أستنى دعوة.
أمي خرجت من الصالون، ولما شافتني حطت إيدها على صدرها.
“إنتِ؟! فين كنتِ كل ده؟!”
حطيت الشنطة على الترابيزة، وبصيت حواليّ بهدوء.
البيت كان حلو… بس فيه توتر يتشم.
قلت بهدوء:
“كنت باخد مكاني.”
سكتوا.
كلارا حاولت تتكلم:
“اختفيتي… ما رديتيش على أي حد… كنا قلقانين—”
قاطعتها بلطف:
“لا. ما كنتوش.”
الصمت كان تقيل.
قعدت، وفتحت الشنطة، وطلعت ملف جلدي أنيق. حطيته قدام سيرخيو اللي كان واقف عند باب الصالون مش فاهم حاجة.
قال بتوتر:
“إيه ده؟”
بصيت له مباشرة:
“عرض استحواذ.

أمي رمشت بسرعة.
“استحواذ على إيه؟”
ابتسمت.
“على الشركة.”
سيرخيو ضحك ضحكة قصيرة متوترة.
“إنتِ بتهزري؟”
هزيت راسي.
“لأ.”
وسحبت ورقة من الملف ولفّيتها ناحيتهم.
اسم الشركة اللي اشتغلت فيها في برشلونة كان متصدر الصفحة. خلال سنة ونص اشتغلت ليل نهار. بدأت كمسوّقة رقمية بعقد مؤقت… وبعد 8 شهور بقيت مديرة قسم. وبعد سنة، كنت شريكة بنسبة صغيرة في مشروع تقني ناشئ.
المشروع كبر بسرعة. دخل مستثمرين. وأنا احتفظت بنسبة ذكية.
وبالصدفة الجميلة جدًا…
شركة سيرخيو كانت غرقانة في ديون بعد توسعات غير محسوبة. شريكه “المهم” انسحب أول ما الأرباح هزّت.
الشركة كانت بتدور على حد ينقذها.
وأنا… كنت الحد ده.
قلت بهدوء:
“الشخص المهم اللي أخد أوضتي زمان، باع حصته ومشي. وأنا اشتريت جزء من الدين عبر صندوق استثماري شغالين معاه.”
بصيت لأمي:
“تعرفي يا ماما؟ طلع في العالم ده نوعين من الناس. ناس بتاخد أوضة غيرها… وناس بتشتري المبنى كله.”
ولا حد اتكلم.
كملت:
“أنا مش جاية أتشمت. أنا جاية أعرض فرصة عادلة. الشركة هتفضل باسمها. سيرخيو يفضل مدير تنفيذي… بس تحت إدارة مجلس جديد.”
كلارا كانت دموعها في عينيها.
“ليه ما قولتيش إنك بتتوجعي؟”
بصيت لها للمرة الأولى بصدق كامل.
“لأني يومها فهمت إني لو فضلت أشرح قيمتي للناس، هافضل طول عمري بستنى أوضة. فقررت أبني بيت كامل باسمي.”
قمت.
خدت شنطتي.
وقبل ما أمشي، بصيت لأمي وقلت بهدوء:
“على فكرة… بقيت بحجز دايمًا سويت. مش عشان أنام فيها. بس عشان محدش تاني يقرر
مكاني.”
ومشيت.
المرة دي… ما كنتش باختفي.
المرة دي، أنا اللي رجعت… وحددت مكاني بنفسي

تم نسخ الرابط