هو خسر

لمحة نيوز

هو خسر عيلته كلها في حريق… وبعدها النهر اداله ابن.
الحريق خدهم يوم تلات.
قبلها بساعة، كانت تيسا قاعدة على طرف سرير مايكل، بتقرا له قصته المفضلة للمرة المية. ابني الصغير، عنده تلات سنين، لابس بيجامة ديناصورات، وصوابعه الصغيرة ماسكة لعبته العربية الزرقا كأنها كنز.
بعدها بساعة، كنت واقف حافي على الرصيف الساقع، وببص على النار وهي بتبلع كل شباك في بيتنا.
نور برتقاني كان مالي السما في الليل كأنه كائن حي.
“يا فندم، ارجع ورا!”
“عيلتي جوه!”
اتنين من رجال المطافي مسكوني قبل ما أجري على باب البيت. قاومت زي الحيوان. صرخت لحد ما صوتي اتقطع.
ماكانش فارق.
السقف وقع.
وفي لحظة — راحوا.
الجنازة كانت بعد أربع أيام. توابيت مقفولة. ورد أبيض. عربية لعبة زرقا صغيرة فوق تابوت مايكل.
الناس كانت بتعيط.
أنا لا.
وقفت قدام الكنيسة، فتحت بقي علشان أتكلم… ومفيش حاجة طلعت. لا كلام. لا دعاء. بس صوت مكسور خلّى الناس تطاطي عينيها.
بعدها، القس بيرس وقفني

عند الباب. شعره رمادي. إيده ثابتة.
قال بهدوء:
“ما تبصش يمين ولا شمال… كمل مشي بس لقدام.”
كنت عايز أمسكه وأسأله: أي إله ده اللي يتفرج على طفل عنده تلات سنين وهو بيتحرق؟
بس ماعملتش كده.
مشيت.
مارِن جت بعد تلات أيام. أخت تيسا الصغيرة. ماخبطتش. بس سابت صينية لازانيا على البلكونة وقعدت على السلم كأنها مش واثقة في نفسها تدخل.
فضلت باصص لها من الشباك عشرين دقيقة قبل ما أفتح الباب.
قالت:
“مش لازم تتكلم… بس لازم تاكل.”
أكلت.
مش عشان جعان.
عشان عينيها كانت شبه عيني.
عيون حد شاف الدنيا وهي بتخلص.
الليل كان أوحش من الحريق.
التلاجة بتزن.
المواسير بتخبط.
الدِفاية تشتغل وتفصل.
كل صوت كان بيرن في أوض اتبنت للضحك — وبقى فيها دلوقتي مافيش غير الصمت.
لحد ليلة الكوبري.لحد ليلة الكوبري.
ماكانش في خطة. بس رجليّ ودّتني هناك.
الهوا كان ساقع، والتلاتة الصبح كانت ساكنة كأن المدينة حابسة نفسها. الميه تحتّي كانت سودة… مش بتلمع، مش بتتحرك، بس موجودة.
زي حفرة ملهاش قاع.
وقفت عند السور الحديد. إيدي عليه. بارد. صلب. حقيقي أكتر من أي حاجة تانية في حياتي من يوم الحريق.
فكرت فيهم. مش في النار. في قبلها.
تيسا وهي بتضحك ورأسها ميلة ورا. مايكل وهو بيجري في الطرقة وبيزحلق على الشراب. ريحة الشامبو بالفراولة. صوت الكرتون الصبح. الفوضى. الحياة.
صدري شدّ. مش بالبكا. بفراغ.
طلعت فوق السور.
مش قفزة درامية. مش وداع. بس خطوة لقدّام… وخلاص.
وساعتها سمعته.
مش صوت كبير. ولا صرخة فيلم. بس… نغمة.
أنين صغير. متقطع. غلط.
اتلفت.
في الأول افتكرت دماغي بتلعب بيا. بعدين سمعته تاني.
جاي من تحت الكوبري.
فضلت واقف فوق السور ثانيتين… ثلاثة… بعدين نزلت.
مش عشان الأمل. ولا عشان الحياة. بس لأن الصوت ماكانش ينفع يتساب.
مشيت على الحافة الترابية، وزلط بيتهز تحت رجلي. ريحة الميه كانت طين وبرد وحديد.
وبعدين شفته.
قفة. خشب قديم. نصها مبلول.
مربوطة بحبل في عمود الكوبري كأن حد كان مستعجل.
والصوت… جواها.
قلبي
دق أول دقة حقيقية من شهور.
ركعت. إيدي كانت بتترعش — مش خوف… حاجة أعمق. حاجة شبه ذاكرة في العضم.
فتحت الغطا.
بطانية. رمادي باهت. مبتلة من الأطراف.
وبين طياتها…
طفل.
صغير جدًا. أحمر من البرد. عينينه مقفولة. وشه مكشّر كأنه زعلان من الدنيا كلها.
ولما الهوا لمس وشه… عيّط.
الصوت شقّ صدري نصين.
رجعت لورا خطوة. مش قادر أتنفس.
"لا…"
طلعت لوحدها.
"لا… لا…"
مش اعتراض. مش رفض.
رعب.
لأن في حاجة كانت بتحصل جوايا. حاجة رجعت للحياة فجأة — حاجة كنت دافنها مع توابيت مقفولة.
الطفل حرّك إيده. صوابعه فتحت وقفلت في الهوا.
نفس الحركة.
نفس حركة مايكل وهو بيدوّر على لعبته وهو نايم.
ركبتيّ انهاروا.
إيدي دخلت القفة قبل ما أفكر. شيلته.
خفيف. ساخن. حي.
حي.
دفن وشه في صدري فورًا… كأن الجسم فاكر قبل العقل.
وقتها…
ولأول مرة من يوم التلات…
صوتي طلع.
بكا.
مش هادي. مش متحكم. بكا قبيح. مكسور. من الأعماق اللي النار ماوصلتش لها.
حضنته أقرب. كأن بيني وبينه حبل
سري غير مرئي.
الميه كانت ماشية تحتنا. الليل لسه طويل. الدنيا لسه فاضية.
بس في حضني…
قلب بيدق.

تم نسخ الرابط