في جنازه امي

لمحة نيوز

في جنازة أمي، واحدة غريبة حطّت طفل صغير في حضني وهمست:
“هي كانت عايزاكي تاخديه.”
أمي كانت عندها بس ٥٤ سنة لما توفّت.
كنت في فرانكفورت لما جالي التليفون — واقفة في أوضة اجتماعات كلها إزاز، بقدّم تقرير ربع سنوي لمديرين شايفينّي طموحة، متماسكة، وماشية بالظبط على الطريق الصح.
وعند ٣١ سنة، بقيت أصغر مديرة إقليمية في تاريخ الشركة. أنا بنت أمّ عزباء اشتغلت شِفتات مالهاش آخر عشان عمري ما أحتاج أعتمد على حد.
كانت دايمًا تقولّي:
“اعملي لنفسِك حياة أكبر من البلد دي.”
وفعلًا عملت كده.
المكالمة كانت من خالتي.
“حصل فجأة”، قالت بهدوء. “جلطة. ماكانش في حاجة يقدروا يعملوها.”
رحلة الطيران للبيت حسّتها مش حقيقية. أكتر حاجة فاكرةها بوضوح هي السكون في بيت طفولتي. جاكتها لسه معلّق ورا الباب. المجّ بتاعها المفضّل في الحوض كأنها لسه هترجع تكمل قهوتها.
هي ربّتني لوحدها. مفيش أب. مفيش شبكة أمان. بس إحنا الاتنين بنحاول نفهم الدنيا سوا.
ودلوقتي، من غير أي إنذار، بقيت

أنا لوحدي.
الجنازة كانت صغيرة. نعش مقفول. وقفت جنب خالتي والراعي بيتكلم عن القوة والتضحية.
ولما بدأوا ينزلوا النعش في الأرض، ساعتها لاحظتها.
ست تقريبًا في سني واقفة ورا كام صف، شايلة ولد صغير — يمكن عنده سنة، يمكن سنتين. شعره فاتح. عيونه واسعة ومركّزة.
ما كانتش بتبص على النعش.
كانت بتبص عليّا.
قبل ما أستوعب، مشيت ناحيتي مباشرة.
ما لحقتش حتى أتصرف.
الطفل مدّ إيده ناحية السلسلة بتاعتي وهي حطّته بهدوء لكن بإصرار.
مسكته غصب عني، جسمي استجاب قبل تفكيري.
“إنتِ بتعملي إيه؟” سألتها بصوت واطي، وأنا بعدّله وهو بيتحرك في حضني.
كان دافي. تقيل. حقيقي.
عن قرب، لاحظت إيديها بترتعش.
“هي كانت عايزاكي تاخديه”، قالت بصوت واطي.
“يعني إيه؟” سألتها، وكلامي متلخبط. “مين ده؟”بصّتلي نظرة فيها حاجة غريبة… مزيج بين الخوف والارتياح، كأنها بتسلّم أمانة كانت شايلة همّها بقالها كتير.
قالت:
“اسمه آدم.”
الولد كان لسه ماسك في سلسلتي، وبيضحك ضحكة صغيرة بريئة، كأنه مش فاهم
أي حاجة من اللي حواليه.
أنا كنت واقفة متجمّدة.
“مين أمه؟” سألت بسرعة.
سكتت لحظة… وبعدين قالت:
“أمك.”
الكلمة وقعت عليّا كأن حد ضربني في صدري.
“إنتي مجنونة؟” همست بعصبية مكتومة. “أمي كانت ٥٤ سنة!”
“مش ابنها… بس كانت أمه بالنسباله”، قالت بهدوء. “كانت بتربيه من يوم ما اتولد.”
المخ بتاعي رفض الفكرة فورًا.
أمي؟
أمي اللي كانت بتشتكي من تعب شغلها؟
أمي اللي كانت تقولّي إنها بتنام بدري عشان الإرهاق؟
أمي اللي ما عمرها ما قالتلي إنها شايلة طفل في حياتها؟
“ده مستحيل”، قلت.
مدّتلي ظرف بني صغير.
“كانت عارفة إنك هتقولي كده.”
إيدي كانت بترتعش وأنا بفتحه، والولد لسه متشبّت فيا كأني أعرفه من زمان.
جوه الظرف كان في خطاب… بخط إيد أمي.
أول ما شفت الخط، صدري اتقبض.
فتحت الورقة.
“حبيبتي،
لو إنتي بتقري الرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أشرحلك بنفسي.
آدم دخل حياتي من سنتين… في ظروف ماينفعش أحكيها لحد غيرك.
هو مش ابني بيولوجيًا، لكن قلبي اختاره كابني.
وأنا عارفة إن ده
ممكن يبان خيانة ليكي… كأن كان عندي حياة تانية ماعرفتيهاش.
بس الحقيقة إني كنت بحاول أحميكي من عبء ماكنش المفروض يكون عليكي.”
دموعي بدأت تنزل على الورقة.
“أمه الحقيقية ماقدرتش تربيه.
وأنا وعدتها إني أكون أمه… أو ألاقي له أم حقيقية لو حصلي حاجة.
ومافيش حد في الدنيا أثق فيه قدك.
إنتي أقوى وأحنّ إنسانة أعرفها، حتى لو إنتي نفسك مش شايفة ده.
لو تقدري… خليه جزء من حياتك.
ولو ماقدرتيش… سامحيني.
بحبك أكتر من أي حاجة.
— ماما”
مش فاكرة إمتى ركبي ضعفت.
لقيت نفسي بقعد على الكرسي اللي جنب القبر، وآدم في حضني، راسه على صدري، هادي… كأنه عارف مكاني.
الغريبة كانت واقفة قدامي.
“أنا كنت بس بساعدها”، قالت. “الورق كله جاهز. الوصاية ليكي.”
رفعت عيني ليها، ولسه الدنيا بتلف.
“ليه أنا؟” سألت بصوت مكسور.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
“عشان هي كانت شايفة فيكي نفس الحاجة اللي إنتي شايفاها فيها.”
بصّيت للولد.
عيونه الواسعة رفعتلي.
وقال أول كلمة ليه معايا:
“ماما.”
ساعتها
بس… فهمت.
إن أمي، حتى بعد ما ماتت،
لسه بتكبر حياتي…
أكبر من أي حاجة كنت متخيلاها.

تم نسخ الرابط