حبيبي

لمحة نيوز

حبيبي جيسون ميلر كان بيحب حاجتين: إنه يبان “مش بتاع مشاكل”، وإنه يتعامل مع حدودي كأنها عيب في شخصيتي.
فلما رسالته ظهرت عندي الساعة 11:48 بالليل، كنت عارفة النغمة قبل ما أقرأ.
“ماتكبريش الموضوع،” 
بصيت للموبايل، والكلام قدامي كأنه تحدي. لا استأذن، ولا شرح. قالها كأنها حالة جوية.
رديت بسطر واحد:
“ماشي، منطقي.”
لأني اتعلمت حاجة في أواخر العشرينات: لو بتتخانقي مع حد مصرّ يقل أدبه معاكي، إنتِ بس بتديه طاقة يكمل الفيلم بتاعه. جيسون كان مستني دموع، عصبية، خناقة يقدر يسميها “جنان”. بدل ده، أنا رديت بهدوء.
وعملت قايمة.
أنا وجيسون كنا مع بعض بقالنا سنة. مش عايشين سوا، بس حياتنا متشابكة في تفاصيل صغيرة — غالبًا لأنه دايمًا “بين شغلانتين” ودايمًا “مستني فلوس”. لما بدأنا نرتبط، كان بيهزر إني أنا المنظمة. فبقيت أنا اللي بشيل الحاجات: نتفليكس اللي بيتفرج عليه عندي، سبوتيفاي اللي فضل يزنّ لحد ما ضفته، وخط الموبايل اللي أقنعني إنه “أوفر لو جمعناه”، ووعدني يدفعلي كل شهر.
كان بيدفع أحيانًا. متأخر غالبًا. ومع أعذار دايمًا.
نمت من غير

ما أرد تاني. لا كلمته، ولا راقبت مكانه. بس نمت على صوت نفسي — أهدى من شهور.
الساعة 7:03 الصبح، صحيت وعملت بالظبط اللي الناس الهادية بتعمله لما تزهق من الاستعباط: فكّيت الربط.
فتحت تطبيق شركة الموبايل. خط جيسون تحت حسابي، باسمي، بفلوسي. دوست “إزالة الخط”، أكدت بالبصمة، وحددت التنفيذ فورًا.
بعدين نتفليكس: “إدارة الأجهزة.” “تسجيل خروج من كل الأجهزة.” تغيير باسورد.
سبوتيفاي: “إزالة عضو.” “تسجيل خروج من كل الأماكن.”
أقل من عشر دقايق، وكل الرفاهيات اللي كان واخدها كحق مكتسب اختفت.
7:20، القهوة بتاعتي كانت بتتعمل. موبايلي ساكت. تخيلته صحيان، بيشتم في الخدمة، يعيد تشغيل الراوتر، يزعق للموبايل، فاكر إن الكون بيتآمر عليه.
9:14، أول رسالة وصلت — على الواي فاي.
“حبيبتي إيه اللي حصل لموبايلي؟؟؟”
مردتش.
لحد الضهر، كان بيهيص.
“مش عارف أوصل لأي حاجة.” “كلميني.” “بجد بلاش هزار.” “ده مش مضحك.”
برضه سكت. مش عشان انتقام. عشان لأول مرة، كنت عايزة السلام أكتر من أي توضيح.
بالليل، حوالي 10، موبايلي رن. اسم جيسون نور الشاشة.
مردتش.
رن تاني. فورًا.

وتالت.
وبعدين وقف.
بعدها بثواني، إشعار جديد: جيسون بيتصل من رقم غريب.
رديت — لأن الفضول طبيعة بشر.
“أرجوكي،” كان بيعيط أول ما قلت ألو. “مش عارف— موبايلي، حساباتي— كل حاجة راحت. أنا آسف، حاضر؟ بس رجّعيهم.”
بعدت الموبايل عن ودني، وسايبة عياطه يملأ الفراغ.
وفجأة، صوت هادي دخل في المكالمة — تقيل، غريب.
“جيسون؟” الصوت قال. “بطل تتصل بالرقم ده.”
قلبي ساقع.
لأن اللي بيتكلم… مكنش أنا.
وجيسون سكت، كأنه فجأة فهم إنه اتصل بحياة غلط.مين… مين ده؟” جيسون قالها بصوت مخنوق، نصه خوف ونصه استيعاب متأخر.
الصوت التاني رد بهدوء ثابت:
“الرقم ده بقى بتاعي. وصاحبته السابقة مش حابة تواصل معاك.”
أنا ما اتكلمتش. كنت سامعة… وبس.
أول مرة في حياتي، الصمت كان بيشتغل بالنيابة عني.
جيسون حاول يضحك ضحكة مكسورة:
“حلوة… حركة حلوة. خليتي حد يرد عليا؟ بجد؟”
الصوت قال:
“لا. هي ما قالتليش أرد. أنا بس… بعمل اللي هي طلبته مني: إنك ما تتصلش تاني.”
قلبي دق مرة تقيلة.
مش عشان جيسون.
عشان الإحساس الجديد اللي بيتكوّن جوايا: إن حياتي بتتحرك لقدّام… حتى قبل ما أنا أصدق
ده.
جيسون صوته بدأ يعلى:
“ده رقمها! إنت مين أصلاً؟ إنت معاها؟”
وقتها بس، اتكلمت.
صوتي طلع هادي… أبرد من أي وقت فات.
“كان رقمي يا جيسون.”
سكت.
السكوت اللي بييجي لما حد يقع فجأة من دور كان فاكر نفسه بطله.
كملت:
“زي ما كان عندك وصول لحاجات كتير في حياتي… وبقت مش بتاعتك.”
سمعته بياخد نفس متقطع:
“إنتِ… بتسيبيني عشان موقف؟ ده جنان.”
ابتسمت، رغم إنه مش شايف.
“لا. بسيبك عشان نمط.”
الجملة نزلت عليه تقيلة. حسيتها.
قال بسرعة:
“طب نصلّح. أرجعلك فلوسك. أعمل أي حاجة. بس ماينفعش تقطعي كده.”
بصيت قدامي، على المطبخ الهادي، على الكوباية اللي كنت سايباها في الحوض، على الشقة اللي لأول مرة حاساها كلها بتاعتي.
“جيسون،” قلت بهدوء،
“إنت افتكرت إن الهدوء ضعف. بس الحقيقة… إن الهدوء أحيانًا بيبقى نهاية.”
الصمت بينا طال.
بعدين قال بصوت صغير، شبه طفل تايه:
“يعني… خلاص؟”
بصيت للرقم اللي بقى مش رقمي.
وللحياة اللي بقت مش حياته.
“آه،” قلت. “خلاص.”
قفلت.
مافيش دراما.
مافيش صريخ.
مافيش مونولوج طويل.
بس حاجة واحدة كانت واضحة زي الشمس:
أنا ما قطعتش عنه الخدمات.

أنا قطعت عنه الوصول.
ولأول مرة من سنة…
مافيش حد في حياتي عايش فيها كضيف تقيل.

تم نسخ الرابط