بينتي ماتت

لمحة نيوز

بنتي ماتت من سنتين… والأسبوع اللي فات، مدرستها اتصلت تقول إنها قاعدة في مكتب الناظرة.
أنا دفنت غريس وهي عندها 11 سنة. الناس دايمًا بتقول إن الوقت بيخفف وجع الفقد. ده مش حقيقي. الوجع بس بيبقى جزء منك — أهدى شوية، لكن تقله زي ما هو.
وقتها، جوزي نيل هو اللي شال كل حاجة. ورق المستشفى. القرارات. ترتيبات الدفنة. أنا كنت ماشية في الأيام دي زي الضل. عمرنا ما حاولنا نجيب طفل تاني. كنت عارفة إني مش هقدر أعيش وجع فقدان طفل مرتين.
وبعدين، بدري يوم الخميس اللي فات، تليفون البيت رن.
“مدام هوثورن؟” الناظرة قالت بصوت هادي. “آسفة أزعجك، بس عندنا بنت صغيرة هنا بتطلب تكلم مامتها. ادتنا اسمك ورقمك.”
“أكيد في غلطة”، قلت تلقائيًا. “بنتي متوفية.”
كان في سكون قصير.
“هي بتقول إن اسمها غريس”، كملت بحذر. “وشكلها… شبه جدًا الصورة اللي لسه عندنا في ملفها.”
صدري اتقبض بألم.
“ده مستحيل.”
“هي متضايقة جدًا. ممكن بس تكلميها؟”
قبل ما أرفض، سمعت لخبطة — وبعدين صوت صغير مهزوز جه في السماعة.
“ماما؟ لو سمحتي… تعالي خُديني.”
التليفون وقع من إيدي.
مش كان شبهها بس.
كان صوتها هي.


نيل دخل المطبخ وهو ماسك قهوته، واتجمد لما شاف السماعة على الأرض ووشي مفيهوش دم.
“في إيه؟”
“دي غريس”، همست. “هي في المدرسة.”
بدل ما يطمني، وشه شحب.
مسك التليفون وقفّل المكالمة بسرعة.
“ده نصب”، قال بسرعة زيادة. “دلوقتي الـAI يقدر يقلد الأصوات. متروحيش.”
لما مسكت مفاتيح العربية، وقف قدام الباب.
“متقدريش تروحي”، قال والخوف باين في عينيه. “لو سمحتي.”
“لو سمحت إيه يا نيل؟” رديت بعصبية. “هي ميتة. إنت خايف من شبح ليه — إلا لو ما كانتش شبح؟”
سقت للمدرسة وأنا مش حاسة بحاجة، حتى الإشارات والطريق. دخلت جري على مكتب الناظرة.
وبعدين فتحت الباب ودخلت.أول ما فتحت الباب…
قلبي وقف.
كانت قاعدة على الكرسي الصغير قدام مكتب الناظرة… بنت لابسة نفس يونيفورم المدرسة… شعرها البني مربوط ديل حصان… وإيديها الصغيرة محطوطة في حضنها.
رفعت عينيها ناحيتي.
ونطقت.
“ماما؟”
رجليا ما شالتنيش. مسكت في طرف الباب علشان ما أقعش.
“غ… غريس؟”
قامت ببطء… وبصتلي بنفس النظرة اللي كنت أعرفها — خليط بين خوف وأمل.
“اتأخرتي ليه؟” سألتني بصوت مكسور. “أنا استنيت كتير.”
الهواء خرج من صدري مرة
واحدة، ووقعت على ركبتي قدامها.
إيدي كانت بتترعش وأنا بمدها ناحيتها.
لمست خدها.
دافي.
حي.
مش حلم.
مش شبح.
“إنتي… إزاي؟” همست. “إنتي كنتي… ماتّي.”
عينيها اتمَلَت دموع.
“بابا قالّي أقول كده لو حد سأل.”
الدنيا لفت بيا.
“بابا؟” كررت ببطء. “بابا مين؟”
“بابا نيل.” قالتها ببساطة، كأن مفيش حاجة غريبة في الكلام.
الناظرة كانت واقفة ورا المكتب، مذهولة زينا.
“مدام هوثورن… هل دي…؟”
“دي بنتي.” قلتها وأنا ببص عليها ومش قادرة أبعد عيني. “دي غريس.”
شمّيت ريحة شعرها — نفس شامبو الأطفال اللي كانت بتحبه.
سمعت نبض قلبها الصغير على صدري.
“وحشتيني أوي يا ماما.” همست.
دموعي نزلت بغزارة.
“إنتي ما رحتيش فين؟ إيه اللي حصل؟”
جسمها اتشد شوية في حضني.
“بابا قال إنك هتزعلي لو عرفتي.” قالت بهدوء.
“قال إنك ضعيفة… ومش هتستحملي.”
الدم تجمد في عروقي.
“هو فين بابا؟”
“قالّي أستنى هنا… وهو هييجي ياخدني.”
في اللحظة دي، تليفوني رن.
اسم نيل على الشاشة.
رديت، وإيديا بتترعش.
“إنت عملت إيه؟”
صوته طلع مكسور… مش زي أي مرة قبل كده.
“إنتي روحتي، صح؟”
“هي عايشة يا نيل.” قلت ببطء قاتل. “بنتي…
عايشة.”
سكت ثواني طويلة.
وبعدين قال جملة واحدة بس:
“أنا ما كنتش أقدر أخسركوا أنتوا الاتنين.”
مخي رفض يفهم.
“تقصد إيه؟”
تنهد تنهيدة تقيلة.
“الدكتور قال إن حالتها صعبة… وإن علاجها هيكلف كتير جدًا… وممكن تموت برضه.”
صوته بدأ ينهار.
“وإنتي… إنتي كنتي بتنهاري كل يوم. كنت شايفك بتموتي بالبطيء.”
ضغطت غريس أكتر في حضني، والخوف بيكبر جوايا.
“قول اللي عندك يا نيل.”
همس:
“قلتلك إنها ماتت… وخدتها ومشيت.”
العالم كله سكت.
“إيه؟”
“غيرت المدينة… الاسم… المدرسة… كل حاجة.”
بكى.
“عالجتها… دفعت كل اللي معايا… اشتغلت شغلانتين… هي خفت يا ليلى. خفت تمامًا.”
دماغي صرخ:
هو دفن تابوت فاضي.
صوتي خرج فاضي:
“ليه… سنتين؟”
“كنت مستني اليوم اللي أكون متأكد إنها هتعيش… وبعدين أرجعها لك.”
بصعوبة قال:
“بس خفت… إنك تسيبيني لو عرفتي.”
بصيت للبنت في حضني — بنتي — اللي كنت فاكرة إني دفنتها.
قالت بهدوء:
“ماما… إحنا هنروح البيت؟”
البيت.
أي بيت؟
الراجل اللي حبيته كذب عليّ ودفن بنتي وهي عايشة.
والبنت اللي بكيت عليها سنتين رجعتلي فجأة.
دموعي نزلت بصمت وأنا بمسح على شعرها.
“أيوه يا
حبيبتي.” همست.
“هنروح.”
قفلت مع نيل… من غير ما أقول كلمة.
لأني عرفت إن حياتي القديمة… هي اللي ماتت فعلًا

تم نسخ الرابط