مديري استدعني

لمحة نيوز

مديري استدعاني على مكتبه أول ما دخلت الشغل يوم الاثنين الصبح.
الابتسامة اللي كانت على وشه ماكنتش ودودة. كان فيها رضا هادي كده… كأنه مبسوط بحاجة.
قال:
“سارة، اقعدي.”
وقعدت قدام مكتبه الزجاجي الأنيق.
اتناشر سنة في شركة إيبيرنوفا للاستشارات في مدريد.
اتناشر سنة ببني أقسام من الصفر، وبنقذ عقود كانت على وشك تقع، وبقعد لوقت متأخر لما غيري يمشي.
بس في الأوضة دي، الولاء ماكانش ليه وزن قدام الإيجو.
قال مباشرة:
“هخش في الموضوع على طول. الشركة قررت تلغي منصبك.”
هززت راسي مرة واحدة بهدوء.
“لكن…” كمل وهو مشبك إيديه،
“متوقعين إنك تدربي الشخص اللي هيستلم مكانك خلال الأسابيع الجاية.”
بصيت ناحية الباب.
فيكتور كان واقف هناك—شاب، لابس بدلة مفصلة جديدة، بيحاول يبان واثق… بس القلق باين عليه.
لسه جديد ومش فاهم إنه قاعد في كرسي حد تاني.
“وبعد ما ده يخلص، هتبقي حرة تمشي في طريقك.”
وقالها بنبرة حاسمة:
“ده الحل الأكثر احترافية.”
بصيت في عينيه وابتسمت ابتسامة صغيرة.
“تمام، مفهوم.” قلتها بهدوء.
هو رمش، متفاجئ من هدوئي.
كان متوقع اعتراض. يمكن عصبية.
بدل كده… أخد موافقة.
قال وهو راجع لورا في كرسيه كأنه كسب الجولة:
“أنا معجب باحترافيتك.”
رجعت لمكتبي وكملت شغلي عادي جدًا—بدقة، وترتيب، ومن غير أي حاجة تلفت النظر.
ماحدش شك إن في حاجة مختلفة.
اللي ماكانوش يعرفوه إن من تلات شهور، أول ما إشاعات إعادة الهيكلة بدأت تمشي في الممرات،


كنت أنا متوقعة النهاية دي بالفعل.
وكنت ظبطت أموري على الأساس ده.
ماطلبتش ألقاب جديدة.
ماواجهتش الإدارة.
ماهددتش إني أمشي.
بدل كده، تواصلت مع أهم عميل في إيبيرنوفا—شركة لوجستيات دولية مسؤولة عن تقريبًا تلت دخلنا السنوي.
مش علشان أسحبهم.
علشان أثبت وأأمّن عقودهم.
راجعت الاتفاقيات.
حدثت بروتوكولات التواصل.
وخليت حقيقة واحدة واضحة جدًا:
أنا جهة الاتصال الوحيدة والمخصصة لمجلسهم التنفيذي.
خلال الأسابيع اللي بعدها، دربت فيكتور بصبر.
الأنظمة. الملفات. طرق التقارير.
كان بيكتب كل حاجة باجتهاد…
وهو مش عارف إن أهم التفاصيل مش مكتوبة في أي حتة.
مديري كان بيعدي قدام مكتبي كل يوم بثقة واضحة جدًا.
وأنا كنت بعدّ الأيام في هدوء.
في مساء اليوم اللي قبل آخر يوم مفروض ليا،
وصلني إيميل داخلي:
اجتماع إجباري لكل الشركة الساعة ٩ الصبح.
ابتسمت.
هو كان فاكر إن الانتقال هيبقى سهل.
وإني هختفي في الخلفية.
ماكانش يعرف إن بحلول صباح اليوم التالي،
الثقة اللي على وشه هتختفي.
وإن الشركة كلها أخيرًا هتفهم قيمة الحاجة اللي هو قلل منها.تاني يوم الصبح، وصلت بدري عن المعتاد.
المكتب كان هادي بشكل غريب… الهدوء اللي بييجي قبل ما حاجة كبيرة تحصل.
حضّرت قهوتي، وقعدت على مكتبي آخر مرة.
رتبت الأوراق القليلة اللي فاضلة، وقفلت اللابتوب بتاعي بهدوء.
الساعة كانت لسه ٨:٤٥.
فيكتور دخل وهو متوتر شوية، رابط الكرافتة بإحكام زيادة عن اللزوم.
قال
بابتسامة مجاملة:
“صباح الخير يا سارة… جاهزة للاجتماع؟”
ابتسمتله ابتسامة لطيفة.
“طبعًا.”
ماكانش فاهم إن الاجتماع ده… مش نهايتي.
ده بدايته هو.
عند ٩ بالضبط، قاعة الاجتماعات الكبرى كانت مليانة.
الإدارة العليا، رؤساء الأقسام، ومديري واقف قدام الشاشة، ملامحه كلها ثقة.
ابتدى كلامه بنبرة احتفالية:
“النهارده بنعلن عن مرحلة جديدة من إعادة هيكلة الشركة…”
عيونه عدّت عليّا لحظة قصيرة… نظرة انتصار هادي.
“…وتعيين قيادة جديدة لإدارة العلاقات الاستراتيجية مع العملاء.”
أشار بإيده:
“فيكتور، اتفضل.”
فيكتور وقف، متحمس ومرتبك في نفس الوقت.
بص ناحيتي لحظة—نظرة امتنان سريعة—وبعدين تقدم.
مديري كمل:
“انتقال سلس، بفضل التعاون المهني من سارة خلال الأسابيع الماضية.”
بدأ تصفيق خفيف في القاعة.
وفي اللحظة دي بالضبط… باب القاعة اتفتح.
المساعدة التنفيذية دخلت بسرعة، وهمست في أذن مديري.
الابتسامة على وشه ثبتت… وبعدين بدأت تتكسر.
“عفوًا لحظة واحدة.” قالها متضايق شوية.
لكن المساعدة ماخرجتش.
قالت بصوت مسموع للجميع:
“مجلس إدارة شركة ألترا جلوبال لوجستكس على الخط الآن. الأمر عاجل.”
القاعة سكتت فورًا.
دي كانت نفس الشركة اللي بتمثل تقريبًا تلت دخلنا.
مديري حاول يستعيد هدوءه.
“قوليلهم هنتواصل لاحقًا، إحنا في—”
“قالوا إنهم لن يناقشوا أي شيء… إلا مع سارة.”
الصمت بقى أثقل.
كل العيون اتحولت ناحيتي.
مديري لف ببطء… كأنه بيستوعب الجملة
لأول مرة.
“إيه الكلام ده؟” قالها بحدة.
المساعدة مدت له التابلت.
“بريد رسمي وصل من خمس دقائق.”
هو قرأ.
لونه بدأ يتغير.
وبصوت متقطع، قرأ جزء بصوت عالي:
“نظرًا لإعادة الهيكلة الأخيرة، نؤكد أن جميع اتفاقياتنا الاستراتيجية، وبروتوكولات الاتصال، وبنود الاستمرارية، مرتبطة حصريًا بمستشارنا المعتمد… سارة.”
همهمة انتشرت في القاعة.
هو رفع عينه ناحيتي ببطء…
أول مرة من سنين، مافيش ثقة. مافيش سيطرة.
بس إدراك.
“ده… معناه إيه؟” سألها بصوت منخفض.
وقفت بهدوء.
“معناه إن انتقال الإدارة للعلاقة دي يتطلب موافقة العميل.”
سكت لحظة.
“والعميل رافض الانتقال.”
فيكتور كان واقف متجمد.
مديري قال بسرعة:
“هنحل الموضوع داخليًا—”
قاطعته بهدوء:
“في بند الاستمرارية اللي تم توقيعه من ثلاثة أشهر.”
مديري بص للمستند مرة تانية…
وكان واضح إنه أول مرة يشوفه.
كملت:
“أي تغيير في جهة الاتصال المعتمدة يتيح للعميل إعادة تقييم أو إنهاء العقد دون غرامات.”
القاعة كلها فهمت في نفس اللحظة.
مش مجرد عميل.
ده ثلث دخل الشركة.
مديري ابتلع ريقه.
“إنتِ… عملتي ده؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
“أنا أمّنت استقرار العلاقة… زي ما كان مطلوب مني.”
الصمت رجع تاني… بس المرة دي تقيل عليه هو.
المساعدة قالت:
“المجلس على الخط وينتظر.”
كل الأنظار عليه.
لأول مرة… هو اللي محتاجني.
بصلي نظرة مختلفة تمامًا.
مش نظرة مدير.
نظرة شخص فاهم إنه أخطأ حساباته.
قال بهدوء:
“سارة…
هل يمكنكِ الانضمام للمكالمة؟”
أخدت نفس هادي.
ونظرت للقاعة… للوجوه اللي فجأة بقت شايفاني بوضوح لأول مرة.
ثم رجعت بصيتله.
وابتسمت.
“طبعًا.”

تم نسخ الرابط