ابني الكبير

لمحة نيوز

ابني الكبير راح…
ومع كده، في اليوم اللي رحت فيه أستلم ابني الصغير من الحضانة، جري عليّا وحضنّي وقال:
“ماما، أخويا جه شافني.”
إيثان كان متوفي من ست شهور قبلها.
كان عنده ٨ سنين، وكان رايح تمرين الكورة مع باباه، لما عربية نقل خبطت عربيتهم. جوزي عاش… إنما إيثان لأ.
أنا كنت مدمَّرة لدرجة إن الدكاترة حتى ما رضيوش يخلّوني أشوفه أو أتعرف على جثته. قالوا إني مش قوية كفاية… إني هشة زيادة عن اللزوم. كأن الحزن سلب مني حقي إني أودّعه.
حسّيت إن دنيتي اتكسرت نصين. حتى النفس بقى تقيل.
بس كان لسه عندي نوح. ولسه عندي جوزي. فكنت بكمل… بأي طريقة.
لما نوح أخيرًا رجع الحضانة، كنت طول الوقت حواليه. ما كنتش قادرة أسيبه يبعد عن نظري. الخوف كان ملاحقني في كل حتة.
في يوم بعد الحضانة، نوح جري

عليّا وهو مبتسم.
“ماما، إيثان جه شافني. وقال إنك لازم تبطلي عياط.”
صدري اتقبض بألم. قلت لنفسي إن الأطفال بيتعاملوا مع الفقد بطريقة مختلفة. ابتسمت غصب عني، وبوّست جبينه، وروّحنا.
تاني يوم، خدت نوح المقابر ومعانا ورد لإيثان.
وأنا بقرب من القبر، نوح وقف فجأة.
قلت له: “مالك يا حبيبي؟”
بص على شاهد القبر وهمس:
“بس يا ماما… إيثان مش هنا.”
ما ضغطتش عليه. ما كنتش عايزة أخوفه أو أزوّد حزنه. الأطفال ساعات بيقولوا كلام مش مفهوم وهم زعلانين… كده قلت لنفسي.
بس يوم الاثنين، بعد المدرسة، قالها تاني:
“أنا كلمت إيثان النهارده.”
إحساس ساقع جري في ضهري.
سألته بهدوء: “قالك إيه؟”
نوح اتردد، ووطّى صوته:
“ده سر. إيثان قالّي ما أقولّكش.”
هنا اللخبطة اتحولت لخوف.
مين اللي بيكلم ابني؟ وليه حد
بيستخدم اسم ابني اللي مات؟
تاني يوم الصبح، رحت على طول إدارة المدرسة وطلبت أشوف تسجيلات كاميرات ساحة اللعب.
المسؤولة شغّلت الفيديو.
ولما شفت اللي على الشاشة… رجلي تقريبًا ما شالتنيش.
بصّيت على الشاشة وقلبي كان بيدق بعنف.
في الأول، ما كانش في حاجة غريبة. أطفال بيلعبوا… بيجروا… بيضحكوا.
وبعدين شفت نوح.
كان واقف لوحده جنب السور… وكأنه مستني حد.
وفجأة… ابتسم.
ورفع إيده… كأنه ماسك إيد حد مش ظاهر في الكاميرا.
المسؤولة قالت:
“واضح إنه بيتخيل… ده طبيعي بعد الفقد.”
بس أنا كنت شايفة حاجة تانية.
نوح بدأ يتمشى ببطء… جنب حد مش موجود.
وقف… وهز راسه… كأنه بيسمع.
وبعدين… حضن الهوا.
جسمي كله اتجمد.
“ممكن نقرّب الصورة؟” قلت بصوت مرتعش.
عملوا زووم.
ونوح كان بيبص لفوق شوية… لنقطة ثابتة…
كأنه شايف حد أطول منه.
وبعدين حرّك شفايفه.
المسؤولة قالت:
“مش بنسمع صوت للأسف.”
بس أنا كنت عارفة.
كان بيكلمه.
إحساس غريب خنق صدري… مزيج من الرعب والحنين.
ده ابني… اللي بيكلم ابني.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
“ممكن آخد نسخة من الفيديو؟” سألت.
هزّت راسها بالموافقة.
وأنا خارجة من المكتب، نوح كان مستنيني في الممر.
جري عليّا:
“ماما!”
حضنته بقوة… يمكن أكتر من اللازم.
همس في ودني:
“إيثان قالّي إنك شفتيه.”
اتخشّبت مكاني.
بعدت شوية وبصّيت له:
“قالك كده؟”
نوح هز راسه:
“آه… وقالّي أقولك ما تخافيش.”
صوتي خرج مكسور:
“هو فين يا نوح؟”
نوح ابتسم… وبص جنبه… للمكان الفاضي.
ومد إيده… كأنه بيمسك إيد حد.
وقال بهدوء:
“هنا يا ماما… هو دايمًا هنا.”
أنا ما شفتش حاجة.
بس قلبي… لأول مرة من يوم
الحادثة… حس بحاجة غير الألم.
يمكن جنان.
يمكن خيال طفل حزين.
أو يمكن… حب ما ماتش.

تم نسخ الرابط