كنت لسه والده
كنت لسه والدة من كام ساعة بس، لما باب الأوضة اتفتح فجأة بعد نص الليل بشوية. جوزي دخل جري، وشه شاحب كأنه شاف موت بعينه، وعينيه فيها خوف عمرى ما شوفته قبل كده.
همس بسرعة وهو بيتلفت حواليه:
“قومي حالاً… شيلي البيبي.”
كنت لسه متوصلة بالمحلول، جسمي تقيل ومهدود بين تعب الولادة وبين فرحة هشة لسه طالعة. قدرت أقول بالعافية:
“ليه؟”
بلع ريقه وقال بصوت مكتوم:
“مفيش وقت للأسئلة… هفهمك في العربية.”
قبل ما أستوعب اللي بيحصل، كان واقف جنبي على السرير، شد سلك المحلول من دراعي، وقطع سوار المستشفى البلاستيك. البلاستيك خدش جلدي. ما بصّش حتى على ابننا. بصلي أنا… كأنه شايف كارثة جاية بعد ثواني.
من أقل من 12 ساعة، كنت مولدة ابننا في مستشفى كبيرة في برشلونة. الأوضة لسه فيها ريحة المطهرات ولبن دافئ. ليو كان نايم بهدوء في السرير البلاستيك الصغير، إيديه مقفولة كأنه مستعد من دلوقتي لدنيا مش فاهمها.
قال:
“ما تطلعيش صوت.”
وشال ليو بحرص، بس بتوتر خلّى قلبي يقبض، وحطه في حضني، وحط الجاكيت بتاعه على كتافي.
رجلي ما كانتش شايلاني لما حاولت أقف. سندني بإيده وعدّاني نص سحب لنص مشي لبرّه الأوضة. كنت حافية… الجزمة اتنسيت ورايا. بلاط المستشفى كان ساقع بشكل صادم تحت رجلي.
الطرقة كان فيها هدوء المستشفيات بالليل — نور أبيض قاسي بيرعش فوق دماغنا. بس
مافيش ممرضات.
مافيش عربيات معدات بتتحرك.
مافيش كلام واطي جاي من ورا الستائر.
عدّينا على مكتب التمريض… فاضي. كوب ورق جنب شاشة شغالة لوحدها. جوزي كان باصص قدامه بس، فكه مشدود، كأنه عارف هو بيهرب من إيه بالظبط.
لما وصلنا عند الركن جنب الأسانسير، ظهر شخص في آخر الطرقة.
راجل لابس لبس عمليات أخضر.
مافيش بادج تعريف.
ولابس جوانتي جديد لازق على إيده.
وقف أول ما شافنا.
إيد جوزي شدت أكتر. همس:
“وطّي راسك.”
بس غصب عني بصيت.
النور وقع على وش الراجل… والتعرّف ضربني زي مية ساقعة.
نفس الدكتور اللي باركلي بعد الولادة.
نفس اللي ابتسملي وطمني.
بس دلوقتي… ماكانش بيبتسم.
وفي إيده اليمين، مستخبي جزئياً جنب المعطف، كان ماسك حاجة سودة رفيعة… ما قدرتش أحددها.
الأسانسير كان بطيء بشكل مستفز. جوزي فضل يضغط على الزرار بعصبية، نفسه سريع.
الراجل بدأ يمشي ناحيتنا.
مش بسرعة.
مش جري.
خطوات هادية… مقصودة.
أبواب الأسانسير اتفتحت أخيراً. جوزي شدني لجوه في اللحظة اللي الراجل قرّب فيها أكتر.
وأنا شايفة الأبواب بتتقفل… لحقت آخد آخر نظرة عليه واقف في الطرقة.
ماكانش باصصلي.
ولا باصص لجوزي.
عينيه كانت مثبتة على ليو.
والنظرة اللي كان باصصله بيها وضّحت حاجة واحدة بس…
هو ماكانش شايف ابننا طفل مولود جديد…
كان شايفه حاجة تانية خالص.أول
أنا كنت حاضنة ليو في صدري، قلبي بيدق جامد لدرجة حسيت البيبي نفسه سامعه.
همست:
“في إيه؟ ده كان الدكتور… صح؟”
ما ردش.
بس عينيه كانت مثبتة على الأرقام اللي بتنزل ببطء فوق الباب، وعرق بارد نازل على صدغه.
الأسانسير وقف.
الجرس رنّ رنة قصيرة.
الباب اتفتح على بهو المستشفى… فاضي برضه.
الليل كان تقيل. الإضاءة خافتة. الكراسي البلاستيك مرصوصة، ومفيش غير صوت تكييف بعيد.
شدني جوزي بسرعة ناحية باب الخروج، خطواته متقطعة بس سريعة، كأنه حافظ الطريق في كابوس.
وأنا خارجة، بصيت ورايا غصب عني.
الأسانسير اللي نزلنا فيه… كان لسه مفتوح.
رغم إن محدش ضغط زرار.
والنور اللي جواه… طفى فجأة.
وقتها بس حسيت أول رعشة خوف حقيقي.
طلعنا برّه المستشفى. هواء الليل ضرب وشي. الشارع شبه فاضي، عربيات قليلة معدية على البُعد. جوزي فتح باب العربية الخلفي بسرعة وقال:
“اركبي ورا… معاه.”
ركبت وأنا لسه حاضنة ليو. قعد جنبي وغطاه أكتر بالبطانية، وبصله لأول مرة من ساعة ما دخل الأوضة.
واللي شفته في وشه ساعتها… ماكانش خوف.
كان ذنب.
سألته بصوت مكسور:
“قولّي في إيه… أنا حاسة إني بهرب من حاجة وأنا مش فاهمة.”
بلع ريقه، وبص من الشباك الأول، وبعدين رجعلي تاني.
وقال:
“الطفل… مش المفروض يبقى عايش.”
حسيت إن الكلام ما وصلش لمخي. كررت:
“إيه؟”
قال بسرعة، كأنه لازم يطلعها مرة واحدة:
“هم قالوا إنه اتولد ميت. أنا شفته. ماكانش بيتنفس… ماكانش فيه نبض.”
الدم اتسحب من وشي. بصيت لليو في حضني. كان نايم، صدره الصغير بيطلع وينزل بهدوء.
همست:
“بس… هو هنا.”
هز راسه ببطء، وعينيه لمعت في الضلمة:
“بعد ما خدوكي على الإفاقة… الدكتور ده خرجلي. قال إن حصل خطأ. قال إن الطفل عاش. بس…”
صوته اتكسر.
“بس قبل ما يجيبهولي… سمعته بيتكلم في التليفون. كان فاكرني مش فاهم إسباني كويس.”
قلبي شدّ.
“كان بيقول: الحالة اتأكدت. العلامة موجودة. لازم العينة تتنقل قبل الفجر.”
إيديا بردت حوالين ليو.
همست:
“عينة… إيه؟”
جوزي بصلي نظرة عمرها ما هتروح من ذاكرتي:
“كان يقصد ابننا.”
سكتنا لحظة.
والعربية بتتحرك بعيد عن المستشفى، حسيت ليو يتحرك في حضني لأول مرة من ساعة ما هربنا.
مش حركة طفل نايم.
كانت بطيئة… مقصودة.
فتحت البطانية شوية.
وعينيه… كانت مفتوحة.
مش بالطريقة اللي بيفتح بيها مولود عينيه عشوائي.
لا.
كان باصص لفوق.
مباشرة فيا.
وساعتها لاحظت الحاجة اللي عمري ما شفتها في أي طفل قبل كده…
بؤبؤ عينيه… كان واسع لدرجة مغطّي السواد كله.
وسواده… كان أعمق من الطبيعي.
أعمق… وكأنه مافيهوش انعكاس نور خالص.
جوزي همس بخوف:
“هو…
ما رديتش.
لأن ليو… كان لسه باصصلي.
وببطء شديد…
زاوية فمه اتحركت.
كأن ابتسامة صغيرة… بتحاول تتكوّن.