واحنا ف صلاه

لمحة نيوز

واحنا فـ صلاة التراويح فى المسجد وكنت بصلّى أقصى يمين الصف الأول وكان جنب منى طفل واحنا ساجدين سمعت الطفل بفطرته بيكلم ربنا فبيقول "ياارب النهارده بابا تعبان فـ مش قادر يصلى التراويح وانا جيت أصلى مكانه فـ ممكن تشفهولى واوعدك هنصلى سوا" وشوية دعوات فى كل سجدة انه بيحب باباه وانه عمره ما زعله انا طبعاا هالنى جمال ما سمعت م الولد دا فـ أول ما خلصنا صلاة أخدته علي جنب وكان فيه باقى عصير فجبتله وشرب وقلتله ؛

-احكيلى بقى بابا ماله علشان انا سمعتك بتكلم ربنا عليه؟
= ببراءة أطفال قال .. بابا ياعمو دايما بيجى يصلى مكانك دا ومش بيسيب فرض والنهارده تعب مش قادر يجى يصلى
فـ قلتله انا يا بابا هروح واقعد مكانك علشان لما ربنا يبص يلاقينى واقف"😢

انا بقيت مذهول وعرفت انه دى تربية احد الصالحين
فـ استأذنت م الشيخ اخرج م الاعتكاف للحظات وأشوف بقى مين الراجل الصالح اللى ربّى ابنه كدا ❤

وبالفعل روحت معاه البيت وفؤجئت استأذنتُ من الشيخ بهدوء، وخرجتُ من صفوف المصلّين وما زال صوت الطفل يرنّ في أذني

كدعاءٍ لم يُكتب بالحروف بل بالحب.
كان المسجد يضجّ بالسكينة. أنوار خافتة، همسات تسبيح، ورائحة سجادٍ عتيق امتلأ بآثار الساجدين. لكن داخلي كان مشتعلاً بشوقٍ غريب:
من هو الرجل الذي ربّى قلبًا صغيرًا يعرف أن يفاوض الله بالمحبّة؟
خرجتُ إلى ساحة المسجد. الليل كان دافئًا، والهواء يحمل أصوات التراويح من مساجد بعيدة. التفتُّ حولي أبحث عن رجلٍ مريض… أو جالس… أو ينتظر ابنه.
ثم رأيته.
كان يجلس على حافة الرصيف المقابل للمسجد، تحت عمود إنارة باهت. ثوبه بسيط جدًا، أقرب إلى البِلى، وظهره منحنٍ قليلًا. كان يسعل بين الحين والآخر، ويضع يده على صدره كأن كل نفسٍ يمرّ بصعوبة.
لكن ما شدّني لم يكن مرضه…
بل نظرته.
كان ينظر إلى باب المسجد… بثبات… وحنين… وكأنه يرى داخله شيئًا أثمن من الدنيا.
اقتربتُ ببطء.
— السلام عليكم.
رفع رأسه. ابتسامة هادئة ظهرت رغم التعب.
— وعليكم السلام ورحمة الله.
قلت بلطف:
— حضرتك… عندك ابن صغير… كان بيصلي التراويح جوه؟
لمع شيء في عينيه.
— أيوه… أحمد.
ابتسمتُ.
— هو قاللي إنه جاي
يصلي مكانك النهارده.
اهتزّ وجه الرجل فجأة. كأن سهمًا من النور أصابه.
— قال كده؟
— قال: “بابا دايمًا بيصلي هنا… فـ أنا هقف مكانه علشان ربنا لما يبص يلاقيني واقف”.
غطّى الرجل وجهه بيده.
وبكى.
ليس بكاء صوتيًا… بل ذلك البكاء الصامت الذي يخرج من أعماق رجلٍ اعتاد الصبر حتى صار الدمع غريبًا عليه.
جلسـتُ بجانبه.
— ابنك بيحبك جدًا.
قال بصوت مكسور:
— ده أنا اللي عايش بيه… والله لو لا هو… ما كنتش قدرت أكمل.
سكت لحظة ثم أضاف:
— أنا شغال عامل نظافة هنا في المنطقة… وعمري ما سبت فرض في المسجد ده من يوم ما اتبنى… أحمد اتربى وهو شايفني كل يوم ماسك إيده وجاي…
نظر إلى الباب المضيء.
— النهارده تعبت فجأة… دوخة وضيق نفس… حاولت أقوم… معرفتش… فقلتله: روح صلّي يا حبيبي… وأنا هستناك…
ابتسم بمرارة.
— بس ما قلتلوش… إني زعلان إني مش واقف مكاني.
هنا شعرتُ بقشعريرة.
طفلٌ لم يُطلب منه شيء…
لكن قلبه فهم غياب أبيه كأنه واجب.
قلتُ بهدوء:
— هو مش بس راح يصلي… هو راح يقف مكانك حرفيًا… في أقصى يمين الصف الأول.
ارتجف
الرجل.
— مكاني…؟
— أيوه.
سقطت دمعة ثقيلة على خده.
— يا رب… — همس — ما تحرمنيش منه…
في تلك اللحظة… فُتح باب المسجد.
وخرج الطفل.
كان يركض بعفوية الأطفال… ثم توقف فجأة حين رأى أباه.
— بابااا!
ركض نحوه وارتمى في حضنه.
ضمّه الأب بقوة… قوة إنسان يخشى أن يفقد كنزه الوحيد.
— صليت يا حبيبي؟ — سأل بصوت مرتعش.
— أيوه! — قال الطفل بفخر — وقفت مكانك بالظبط… علشان ربنا يفتكرك موجود.
انهار الأب.
بكى وهو يحتضنه، يكرر:
— ربنا يخليك ليا… ربنا يخليك ليا…
ثم رفع الطفل رأسه وقال ببراءة:
— خفيت يا بابا؟
ضحك الأب وسط الدموع:
— خفيت… والله خفيت.
كان المشهد أكبر من الكلمات.
أب فقير… مريض… لا يملك إلا الإيمان.
وابن صغير… لا يملك إلا الحب.
لكن الاثنين امتلكا شيئًا نادرًا:
علاقة مع الله… مشتركة.
وقفتُ أراقبهما… وشعرتُ أنني أنا الذي تعلّمت تلك الليلة.
ليس عن التربية.
ولا عن الفقر.
بل عن معنى أن يكون الإنسان قدوة صامتة…
حتى يربّي قلبًا يصلي مكانه إذا غاب.
عدتُ إلى المسجد بعدها…
لكن الصف الأول لم يعد كما كان.

لأنني كلما وقفتُ فيه…
تذكّرتُ أن هناك طفلًا ذات ليلة…
وقف ليُطمئن الله على أبيه.

تم نسخ الرابط