صاحب عمري

لمحة نيوز

صاحب عمري اللي غسلته ودفنته بإيدي من سنة.. شفته النهاردة بعيني بيشتري سجاير من الكشك اللي تحت بيتي!

جريت وراه زي المجنون، ناديت عليه باسمه "يا عصام!".. لف وبص لي ببرود، وركب عربيته ومشي ولا كأنه يعرفني.. بس أنا متأكد إنه هو!

أنا "أحمد"، محاسب في بنك، وعايش حياة هادية.. أو كنت فاكر كده لحد اللحظة دي. "عصام" مكنش بس صاحبي، ده كان أخويا، شريكي في المشروع اللي خسرنا فيه كل حاجة، وهو مات بسببه "سكتة قلبية" زي ما قالوا.. بس اللي شفته النهاردة خلاني أشك في عقلي.

قررت ماريحش دماغي. روحت "لشقة المخزن" القديمة اللي كنا مأجرينها زمان في "بولاق"، المكان اللي كنا بنشيل فيه بضاعة المشروع. الشقة دي مقفولة من يوم وفاته، والمفتاح لسه معايا نسخة منه.الكاتبه نور محمد

فتحت الباب.. ريحة تراب وعفونة خنقتني. الدنيا ضلمة كحل. ولعت كشاف الموبايل وبدأت أدور على أي حاجة تفهمني إيه اللي بيحصل. كل حاجة زي ما هي، الكراتين، المكاتب القديمة.. بس لاحظت حاجة غريبة في أرضية "الأوضة اللي جوه".

البلاط.. البلاط بتاع الأوضة دي متغير! لونه أفتح سنة بسيطة من باقي الشقة، وفيه "هبوط" غريب في النص. قلبي كان بيدق زي الطبلة. جبت "عتلة" حديد كانت مرمية في الركن، وبدأت أكسر في البلاط وأنا بترعش.

كسرت بلاطة.. التانية.. التالتة.. لحد ما "العتلة" خبطت في حاجة طرية ملفوفة في مشمع بلاستيك تقيل ومربوط بحبال تخينة. الريحة

اللي طلعت خلتني أرجع اللي في بطني.
بإيدين بترتعش، قطعت المشمع.. ويارتني ما قطعته.

جثة. هيكل عظمي لسه عليه بقايا هدوم.. بس مش ده اللي وقف قلبي. اللي وقف قلبي هي "الدبلة" اللي في صباع الجثة. دبلة فضة محفور عليها اسمي واسم عصام وتاريخ صداقتنا.. الدبلة دي عصام مكنش بيقلعها من إيده أبداً!

يعني اللي مدفون هنا ده.. هو "عصام" الحقيقي!
أمال مين اللي دفنته من سنة؟ ومين اللي شفته النهاردة الصبح واخد شكل صاحبي!  

فجأة.. سمعت صوت باب الشقة اللي بره "بيتفتح" ببطء.. وخطوات رجل تقيلة بتقرب من الأوضة اللي أنا فيها. وصوت "تلقيم مسدس" كسر سكون المكان.

صوت الشخص اللي بره قال بنبرة هادية ومرعبة، نفس نبرة "عصام" اللي انا حافظها من زمان:
"أنا كنت عارف إن فضولك هيجيب أجلك يا أحمد.. بس مكنتش عامل حسابي إننا هنتقابل بدري كده.. وحشتني يا صاحبي!"
النور قطع.. والباب اتفتح..
النور قطع… والباب اتفتح ببطء…
وشعاع خافت من نور الطرقة دخل الأوضة… مرسوم فيه ظل راجل واقف عند العتبة.
إيدي لسه على المشمع… وجثة عصام الحقيقي قدامي…
وعقلي بيرفض يربط اللي شايفه باللي سامعه.
الصوت اتكرر… أقرب… أهدى… وأبرد:
– وحشتني يا أحمد.
رجلي اتجمدت.
ببطء شديد… رفعت عيني ناحية الباب.
هو.
نفس الطول… نفس الكتفين… نفس الوقفة المايلة شوية…
و… نفس وش عصام.
بس في حاجة غلط.
عينه.
عينه مكانش فيها دفء صاحبي اللي أعرفه… كانت فاضية… باردة…

كأنها عدسة زجاج.
قال وهو داخل خطوة:
– إيه رأيك في المفاجأة؟
بصيت له وبعدين للجثة وبعدين له تاني… ولساني تقيل:
– إنت… إنت مين؟
ابتسم… نفس ابتسامة عصام… بس أوسع… مصطنعة:
– سؤال غلط يا أحمد… السؤال الصح: أنا عصام إزاي؟
صوت قلبي كان أعلى من صوت نفسي.
قلت وأنا برجع لورا:
– عصام مات… أنا دفنته… بإيدي.
هنا ضحك… ضحكة قصيرة جافة:
– لا… إنت دفنت حد شبهه.
ورفع المسدس ناحية صدري…
لكن الغريب إنه مكانش مستعجل يضرب.
قال بهدوء وهو باصص للجثة:
– الراجل اللي تحت البلاط ده… كان عصام فعلًا… شريكك… وصاحبك… والوحيد اللي كان عارف كل حاجة.
مخي لف:
– كل حاجة إيه؟
رد وهو يقرب أكتر:
– إن المشروع مكانش خسران… الفلوس اختفت… واتسرقت… من جوا.
الهواء وقف في صدري.
همست:
– إنت… بتقول إني أنا…؟
– لا.
وسكت ثانية… وبعدين أشار لنفسه:
– أنا.
سكتت الدنيا.
قال بهدوء مخيف:
– أنا اسمي مش عصام… عمري ما كنت عصام… أنا مجرد واحد محتاج هوية… والهوية دي كانت مثالية: شاب بلا عيلة… بلا ماضي معقد… وعنده شريك يثق فيه ثقة عمياء.
إيدي بدأت ترتعش:
– يبقى… عصام الحقيقي…؟
– اكتشفني.
وأشار للجثة:
– وده كان آخر يوم في حياته.
دماغي صرخ: قاتل.
قلت بصوت مكسور:
– طب… اللي دفنته أنا…؟
ابتسم… وقال:
– جثة مشوهة… حادثة… أسنان متكسرة… مفيش حد يعرف يميز… وأنت أصلاً كنت منهار… صدقت اللي حبيت تصدقه.
سكت ثانية… وبعدين قال الجملة اللي كسرتني:
– أنت
ساعدتني أدفنه… وتديني حياته… وتبكي عليه قدام الناس.
دموعي نزلت بدون ما أحس.
– ليه رجعت؟
تنهد:
– لأن الماضي دايمًا بيرجع… وأنا كنت عارف إنك هتفتش… هتوصل للمخزن… للبلاط… للحقيقة.
ورفع المسدس:
– والحقيقة دي… مينفعش تفضل عايشة.
في اللحظة دي…
حاجة جوايا اتكسرت… أو اتولدِت… مش عارف.
بصيت له… وبعدين للجثة…
وفجأة افتكرت.
الدبلة.
دبلة الصداقة اللي في صباع الهيكل.
عصام الحقيقي كان دايمًا يقول:
“لو جرالي حاجة… الدبلة دي هتفضل دليل إني كنت موجود.”
رفعت عيني للقاتل… وقلت بهدوء غريب:
– أنت غلطت.
اتجمد:
– إزاي؟
مديت إيدي ببطء… ورفعت الموبايل…
الشاشة كانت منورة… والكاميرا شغالة… والتسجيل شغال من أول ما دخل.
وشه اتغير لأول مرة.
همست:
– صاحبي رجع… على الأقل الحقيقة رجعت.
ضغطت زر الإرسال… التسجيل اتبعت تلقائيًا على إيميل العمل… وعلى رقم محامي البنك… وعلى التخزين السحابي.
صرخ:
– إنت عملت إيه؟!
لكن كان متأخر.
صوت siren بعيد بدأ يقرب…
واضح إن حد بلغ عن التكسير… أو يمكن القدر نفسه.
رجع خطوة… اتنين…
بص لي بنظرة حقد أسود:
– أنت دمرت كل حاجة.
قلت وأنا باصص له بثبات:
– لا… أنا رجعت عصام.
صوت عربيات الشرطة وقف تحت العمارة.
هو بص للباب… وبعدين لي…
ولأول مرة… شفت خوف حقيقي في عينه.
همس:
– كنا ممكن نعيش العمر كله كده…
رديت:
– بس مش على جثة صاحبي.
في لحظة… لف وجري ناحية الشباك الخلفي…
وكسر الزجاج… واختفى في
الضلمة.
الشرطة دخلت بعد ثواني.
وقفت وسط الأوضة…
جنب البلاط المكسور…
جنب جثة عصام الحقيقي…
ولأول مرة من سنة…
بكيت عليه صح.

تم نسخ الرابط