مراتي كانت مانعه
"مراتي كانت مانعة إننا نتصور أو ننزل صور لبنتنا على السوشيال ميديا بحجة (الحسد).. بس السبب طلع كارثة تانية خالص."
"أنا چاك ومراتي سكاي متجوزين من ٤ سنين. لما قابلت سكاي، كانت أرملة ومعاها بنت صغيرة (ليلى) عمرها سنة ونص. أنا حبيت سكاي جداً، وحبيت ليلى كأنها بنتي الحقيقية، وربيتها وكبرت وهي بتقولي يا بابا.
سكاي كانت أم مثالية، بس كان عندها (فوبيا) غريبة. كانت مانعة تماماً إننا نتصور صور عائلية، أو ننزل أي صورة لـ (ليلى) على فيسبوك أو إنستجرام.
حجتها كانت دايماً:
'أنا بخاف من الحسد، الناس مبيسيبوش حد في حاله، وبنتي لسه صغيرة'.
أنا احترمت رغبتها، وقلت دي حرية شخصية، وكفاية إنها مهتمة بالبنت جداً.. لدرجة إنها كانت بتصر إن (ليلى) متسرحش شعرها غير وهي لابساها طاقية عشان
'شعرها ميبانش ويتحسد'
وحاجات من دي.
الموضوع كان غريب شوية، بس عمري ما شكّيت.
أم خايفة على بنتها… إيه يعني؟
لحد ما (ليلى) كملت ٥ سنين، وجيه وقت دخول المدرسة.
طلبت من سكاي شهادة ميلاد (ليلى) والأوراق الرسمية عشان نجهز الملف.
في اللحظة دي، لاحظت حاجة أول مرة آخد بالي منها…
إيديها كانت بترتعش.
ابتسمت ابتسامة متوترة وقالت:
'الورق ضاع مني في النقل… متقلقش، أنا هروح أطلع بدل فاقد بنفسي'.
عدّى يوم.
وبعدين أسبوع.
وبعدين أسبوعين.
وكل ما أسألها، نفس الرد:
'السيستم واقع'
'الموظف مش موجود'
'الإجراءات معقدة'.
لحد ما الموبايل رن…
وكان رقم المدرسة.
الموظفة قالتلي بنبرة حاسمة:
'يا فندم، آخر ميعاد للتقديم بكرة. لو الورق مجاش، الطفلة مش هتدخل المدرسة السنة دي'.
قفلت التليفون وأنا حاسس بحاجة تقيلة قعدت على صدري.
دخلت أوضة النوم… سكاي ماكنتش في البيت.
ساعتها، ولأول مرة من يوم ما عرفتها،
سألت نفسي سؤال خوّفني:
هو ليه شهادة ميلاد بنت عاشت معانا ٤ سنين… مش موجودة؟
فتحت الدولاب…
مش قاصد أفتش.
كنت بدور على أي ورقة، أي صورة، أي حاجة تثبت إن ليلى موجودة رسميًا.
وبين الهدوم،
في قعر الدولاب،
لمحت طرف صندوق معدن صغير…
مستخبي كويس، ومقفول بقفل.
ساعتها قلبي دق دقة غريبة.
دقة حسستني إن في حاجة غلط…
غلط قوي.
مدّيت إيدي ناحية القفل…
⛔ وهنا… كل حاجة في حياتي كانت على وشك إنها تتقلب.
اللي جوه الصندوق ده ماكنش مجرد سر…
كان بداية كابوس.
مدّيت إيدي على القفل…
كان صغير… رخيص… من النوع اللي بيتفتح بدبوس شعر.
فضلت واقف لحظة…
ضميري بيقول: دي خصوصيتها.
قلبي بيقول: بنتك ممكن تضيع من التعليم.
ثانيتين…
وكنت بفتحه.
الصندوق اتفتح بصوت معدني خافت…
وصوت تاني أقوى جوايا:
"إنت هتشوف حاجة مش هتعرف ترجع بعدها."
جوا
ملفات بلاستيك شفافة…
أوراق مطوية…
وصورة.
أول حاجة مسكتها كانت الصورة.
بنت صغيرة…
شبه ليلى…
بس أصغر…
وشعرها أقصر…
واقفة جنب راجل و ست… مش سكاي.
قلبي دق بسرعة.
قلبت الصورة…
مكتوب وراها بقلم أزرق:
"ليلى – ٢٠١٩ – مع ماما وبابا"
وقتها حسيت الأرض بتميل.
ماما… وبابا؟
يبقى أنا مين؟
وسكاي تبقى إيه؟
إيدي بترتعش فتحت أول ملف.
شهادة ميلاد.
الاسم: ليلى أحمد حسن
اسم الأم: مها أحمد حسن
اسم الأب: أحمد حسن
مش سكاي.
ولا أنا.
دماغي رفضت يصدق.
فتحت ورقة تانية.
بلاغ اختفاء.
"اختفاء الطفلة ليلى أحمد حسن – عمر ١ سنة و٨ شهور"
التاريخ…
هو نفس الشهر…
اللي سكاي قالتلي فيه إنها أرملة وبنتها معاها.
ساعتها…
مش الخوف اللي حسيت بيه.
ده إحساس أبشع:
إحساس إنك عايش جوه حياة مزيفة…
وكل حاجة بتحبها ممكن تكون مسروقة.
سمعت صوت المفتاح في باب الشقة.
سكاي رجعت.
قفلت الصندوق بسرعة…
بس ما رجعتوش مكانه.
كنت واقف في نص الأوضة…
والأوراق في إيدي.
دخلت…
ابتسمت…
وقالت بنبرة عادية:
"جبتلك أكل بتحبه."
بصت على إيدي.
وشها اتسحب منه الدم.
واللحظة اللي بينا اتجمدت.
قلت بهدوء أنا نفسي اتخضيت منه:
"مين ليلى يا سكاي؟"
سكتت.
ثانيتين…
ثلاثة…
وبعدين قعدت على السرير…
كأن رجليها مبقوش شايلينها.
وقالت جملة عمري ما هقدر
"أنا ما سرقتش بنت…
أنا أنقذتها."
الهواء اختفى من الأوضة.
قلت بصوت مبحوح:
"بلاغ اختفاء… أهل… شهادة ميلاد…
تقولي أنقذتيها إزاي؟"
دموعها نزلت فجأة.
"اللي إنت شايفهم في الصورة دول…
أبوها وأمها…
كانوا بيضربوها."
سكتت…
وبعدين كملت:
"أنا كنت جارتهم."
قلبت الصفحة اللي بعدها في الملف.
محضر شرطة قديم…
بلاغ عن عنف أسري.
اسم الأم: مها أحمد حسن
اسم الأب: أحمد حسن
نفس الأسماء.
سكاي قالت:
"كنت بسمع عياطها كل يوم…
لحد ليلة…
العياط وقف."
رفعت عيني ليها.
همست:
"الأم دخلت المستشفى…
والأب اختفى ٣ أيام…
وساب البنت لوحدها في الشقة."
قلبي برد.
"دخلت الشقة…
لقيتها مربوطة في السرير."
إيدي سابت الورق.
سكاي بصتلي بعينين مكسورين:
"أنا ما خطفتهاش…
أنا خرجتها."
قلت ببطء:
"وبعدين؟"
قالت:
"هربت بيها…
وسافرت مدينة تانية…
وغيرت اسمي…
وعشت كأني أمها."
بصتلها:
"والأهل؟"
قالت جملة خلت جسمي يقشعر:
"الأب رجع بعد أسبوع…
والبنت اختفت…
فقال إن مراته قتلتها."
سكتت…
"والأم دخلت مصحة نفسية…
وما خرجتش تاني."
الغرفة كانت صامتة بطريقة مؤلمة.
كل حاجة فجأة بقت رمادي.
أنا واقف بين حقيقتين:
طفلة مخطوفة.
وطفلة متنجية.
قلت:
"يعني ليلى… مش بنتك."
قالت:
"بس بنتي فعلاً."
بصيت على شهادة الميلاد.
وعلى بلاغ الاختفاء.
وعلى
وسألت السؤال اللي كسر كل حاجة:
"ولو أهلها لقوها؟"
سكاي بصتلي…
وقالت:
"هيبقوا بيسترجعوا بنتهم…
وأنا هفقد حياتي."
وفي اللحظة دي…
سمعنا خبط على الباب.
خبط تقيل.
رسمي.
خبط شرطة.
وبصينا لبعض…
وعرفنا إن الكابوس
وصل.