في جنازة جوزي
في جنازة جوزي، أختي كانت بتبتسم وبتقول إن ابنها ابنه — وقالتلي: “قانونيًا هاخد نص بيتك اللي بـ 800 ألف دولار”.
ماكانش عندها أي فكرة إن جوزي الله يرحمه سايب دليل هيكسّر ادعاءها.
بعد جنازة جوزي بكام يوم، لقيت نفسي في عيد ميلاد ابن أختي الأول.
روحت غصب عني… أمي هي اللي أصرت.
وكملت القعدة مش عشان حابة، لا… عشان الحزن كان مخليني مخدّرة، لا حاسة ولا قادرة أمشي.
وفجأة، أختي وقفت قدام الكل.
عدلت ضهرها، رفعت راسها، وابتسمت — مش ابتسامة طيبة، ولا دافية… ابتسامة واثقة خلت الجو كله يبرد.
قالت بصوت واضح: “ابني ده في الحقيقة ابن جوزك. وبالقانون، أنا هاخد نص بيتك اللي تمنه تمنميت ألف دولار.”
وطلعت ورقة من شنطتها، ولوّحت بيها كأنها كسبانة القضية خلاص.
الغريب إن في اللحظة دي، بدل ما أعيّط أو أصرخ، كنت قريبة أضحك.
الحزن بيعمل حاجات غريبة في الدماغ… بيبلّدك لدرجة إن الصدمة تبقى كأنها مش حقيقية.
اسمي إيلينا مور. عندي 34 سنة، ولسه بتعلّم إزاي أتنفس من تاني بعد ما فقدت جوزي.
من 3 شهور، صامويل مور — شريك حياتي بقاله 11 سنة، الراجل اللي
وما رجعش تاني.
قالوا جلطة مفاجئة في المخ.
من غير أي إنذار.
من غير وداع.
مكالمة واحدة بس… قسمت حياتي لنصين: قبل وبعد.
الجنازة عدت كأنها حلم تقيل.
لبس أسود.
أكل جاي من الجيران.
كلام مواساة شكله حنين بس فاضي من جوه.
كنت ماشية على أوتوماتيك:
اقعدي هنا… قومي هنا… اهزي راسك وخلاص.
أختي إيرين بالكاد حضرت.
وقفت ورا، مشيت بدري، وماقدرتش تبصلي في عيني.
لاحظت ده… بس الحزن كان مغبّش كل حاجة.
بعد أسبوع، أمي زنّت عليّا أروح عيد ميلاد ابن إيرين.
قالتلي: “صامويل كان هيحب إنك تكوني هناك.”
الجملة دي لسه بتوجعني.
روحت.
الحفلة كانت في شقة إيجار صغيرة.
حر أغسطس كان خانق.
البالونات مدلدلة.
الناس كلامهم متحفظ، متوتر.
أبويا وأمي كانوا مش مرتاحين، كأنهم مستنيين مصيبة جاية.
إنما إيرين؟
كانت منوّرة.
فستان جديد، شعر مظبوط، وبهجة… بس بهجة مش في مكانها.
في نص تقطيع التورتة، خبطت على الكوباية.
وقالت: “عندي حاجة مهمة لازم أقولها.”
وبدأت تحكي روايتها:
قالت
قالت إن كان في علاقة بينهم.
قالت إن صامويل غيّر وصيته.
وقالت إنها جاية تاخد نص بيتي.
المكان كله سكت.
كل العيون اتوجهت عليّا —
عيون شفقة،
عيون فضول،
وعيون بتستمتع بالفضيحة طالما مش تخصهم.
حسّيت شفايفي بتتهز.أول مرة من يوم وفاة صامويل حسّيت بحاجة غير الحزن.
مش خوف… مش غضب.
حاجة أقرب للثقة.
بصّيت لأختي إيرين، لابسة الابتسامة اللي فاكرة إنها انتصرت، وقلت بهدوء:
“قبل ما تعملي أي خطوة قانونية… خلّيني أقولك حاجة صغيرة.”
الناس كانت ساكته.
حتى الطفل بطل عياط كأن الجو نفسه اتشد.
طلعت موبايل صامويل من شنطتي.
أيوه…
أنا محتفظة بيه.
بعد وفاته بيومين، وأنا بجمع حاجته، لقيته محطوط في درج المكتب، ومتقفل ببصمة غير اللي متعودة عليها.
الغريب؟
كان سايبلي باسورد مكتوب بإيده على ورقة صغيرة.
وقتها ماكنتش مستعدة أفتحه.
بس بعد اللي سمعته من إيرين؟
عرفت إن الوقت جه.
فتحت الموبايل قدام الكل.
قلت: “صامويل كان شكاك… ويمكن ده اللي أنقذني.”
دخلت على الإيميلات.
ثم على تسجيلات الصوت.
وضغطت تشغيل.
صوت صامويل ملأ المكان:
“إيلينا،
أختك إيرين حاولت تقرب مني أكتر من مرة.
وأنا رفضت.
لما قالتلي إنها حامل، شكّيت فورًا.”
إيرين وشّها شحب.
“طلبت تحليل DNA من غير ما تقول لحد.
والنتيجة وصلت النهارده… الطفل مش ابني.”
همهمة انتشرت في المكان.
“سجّلت كل حاجة، واحتفظت بالتحاليل، والرسائل، وحتى التسجيلات اللي حاولت تبتزني بيها.
كمان حدّثت وصيتي… كل أملاكي لإيلينا فقط، وأي محاولة طعن مرفوضة قانونيًا.”
قفلت التسجيل.
رفعت عيني لإيرين.
كانت بتترعش.
قلت بهدوء قاتل: “تحبي كمان أوريهم رسايلك؟
ولا تقرير المعمل؟
ولا البلاغ اللي صامويل كان مجهزه بس الموت سبقه؟”
أمي كانت بتبص على إيرين كأنها شايفها لأول مرة.
أبويا قعد على الكرسي وهو ماسك راسه.
إيرين حاولت تتكلم…
بس ولا كلمة طلعت.
أخدت شنطتي، وقفت، وقلت آخر جملة:
“البيت اللي كنتِ طمعانة فيه…
اتشرى بفلوس جوزي،
واتكتب باسمي،
ومحفوظ بدليله.”
ومشيت.
بعد أسبوع، وصلني إخطار رسمي: دعوى إيرين اترفضت بالكامل.
ومنع قانوني من الاقتراب أو الادعاء تاني.
الناس نسيت الحكاية بعد شوية.
بس أنا؟
أنا ما نسيتش.
اتعلمت إن مش كل اللي بيبتسم أخ…
ومش كل اللي سكت ضعيف.
وصامويل؟
حتى وهو ميت…
حمـاني.