حمايا ضربني

لمحة نيوز

حمايا… ضربني. علشان الأكل كان مالح. وكب الملوخيه عليا وطارق كان واقف… شاف كل حاجة… وما قالش ولا كلمة.»
في تلك اللحظة، توقّف الزمن. تجمّد الدم في عروقها، وشعرت وكأن العالم كله انكمش إلى جملة واحدة: ضربني.
بسمه… ابنتها الوحيدة. الطفلة التي ربّتها وحدها بعد وفاة أبيها، التي كانت تعويضها الوحيد عن رجل رحل وترك فراغًا لا يُملأ.
قالت بحزم لم تعرف من أين أتى:
«اقفلي على نفسك يا بسمه. أوضتك. دلوقتي. أنا جاية.»
لم تنتظر ردًا.
خلعت زيّ التمريض، ارتدت ملابسها على عجل، وخرجت من المستشفى دون أن تشرح شيئًا لأحد. الطريق كان قصيرًا بشكل مخيف، أو ربما كانت هي التي تقود أسرع من المعتاد، لا ترى الإشارات، لا تسمع الأبواق، لا تشعر إلا بالغليان الذي يسري في جسدها.
كانت تعرف يوسف، والد زوج ابنتها. رجل متسلّط، صوته أعلى من الجميع، ويده — كما يبدو — أسرع من ضميره. كانت ترى كيف يعامل زوجته هدى، كيف يكسرها بالكلمات قبل أن يكسرها بالصمت. رأت كل العلامات… وتجاهلتها.
وأنا السبب.
أوقفت السيارة بعشوائية أمام البناية. فتحت الصندوق الخلفي، وأخرجت

شيئًا لم تتخيل يومًا أنها ستحتاجه من أجله. صعدت السلالم بخطوات ثقيلة، كل درجة تحمل معها غضبًا مكبوتًا منذ شهور.
طرقت الباب ثلاث مرات. طرقات حاسمة، لا تقبل التراجع.
فتح يوسف.
في اللحظة التي وقعت فيها عيناه على ما تحمله، تغيّر وجهه. اختفى التعالي، وحلّ محله شحوب صادم. تراجع خطوة إلى الخلف دون وعي.
لم تقل شيئًا. دفعت الباب ودخلت.
رائحة الملوخية ما زالت عالقة في الجو، تختلط ببخور الظهيرة. هدى ام طارق كانت جالسة في الركن، وجهها شاحب، دموعها حبيسة منذ سنوات. نظرت إليها نظرة سريعة، ثم ثبتت عينيها على يوسف.
«بسمه فين؟»
لم يجب.
«بسمه فين؟!»
أشار بيده المرتجفة نحو الممر.
لم تنتظر. طرقت باب الغرفة برفق هذه المرة.
«بسمه… افتحي. أنا هنا.»
فتح الباب ببطء. ظهر وجه ابنتها، منتفخ العينين، وعلى خدها الأيسر علامة حمراء واضحة. صفعة.
كان ذلك كافيًا.
ضمتها بقوة، شعرت بجسدها يرتجف بين ذراعيها.
«خلاص… خلاص يا حبيبتي. أنا هنا. محدش هيقربلك تاني.»
داخل الغرفة، كان طارق جالسًا على طرف السرير، رأسه منكّس، صامتًا. لم تنظر إليه. لم يكن دوره
بعد.
«لمي هدومك. إنتي جاية معايا.»
«بس يا ماما… الناس…»
«الناس مش أهم من كرامتك.»
خرجت إلى الصالة. يوسف واقف، متيبّس. الصمت بينهما كان أثقل من أي صراخ.
«إنت ضربت بنتي؟»
تجاهلها.
«ضربتها علشان ملوخية؟»
«كانت قليلة الأدب.»
ضحكت ضحكة قصيرة، مرة.
«الأدب بيتعلّم بالضرب؟ ولا دي طريقتك مع الستات؟»
رفعت يدها قليلًا. المسجّل كان ظاهرًا.
«كل كلمة قلتها متسجلة. وصدقني… أنا ما عنديش حاجة أخسرها.»
تراجع.
خرجت بسمه بحقيبتها الصغيرة. أمسكت يد أمها.
قبل أن تغلق الباب، جاء صوت هدى ام طارق خلفهما، مكسورًا:....
جاء صوت هدى أم طارق خلفهما، مكسورًا:
«أنا… أنا… كنت عارفة… من زمان… بس كنت خايفة…»
نظرت إليها المرأة نظرة طويلة، حزينة ومليئة بالفهم. ثم أدارت وجهها إلى يوسف، الذي بدا الآن كظل أمام الغضب الذي يملأ الغرفة.
«كفاية. خلاص انتهى كل شيء. محدش هيقدر يلمّس أي حد تاني من عيلتي.»
يوسف تراجع إلى الخلف، صامتًا، لا يعرف كيف يرد، بينما بسمه تبكي بحرقة لكنها تشعر بالأمان لأول مرة منذ شهور. أمها لم تتركها، ولم تسمح لأحد بإيذائها مرة أخرى.

خرجت الأم وبسمه من الشقة، والأبواب تُغلق خلفهما، كل خطوة تبعد الماضي المؤلم قليلاً. الطارق، الذي كان يشاهد كل شيء في صمت، رفع رأسه أخيرًا، وعيونه مليئة بالندم والحسرة.
في الطريق، أمسكت الأم يد ابنتها الصغيرة، وشعرت بقوة غير مسبوقة. لم تعد المرأة نفسها التي دخلت الشقة قبل ساعات؛ أصبحت الآن درعًا، صخرة، وقوة لا تُقهر.
«مش مهم مين كان موجود أو مين كان غائب. المهم دلوقتي إحنا مع بعض. ومحدش هيقدر يسيبك تبكي تاني.»
بسمه نظرت إليها، وابتسامة صغيرة تشق الظلام على وجهها:
«ماما… شكراً…»
ابتسمت الأم لها، والدموع تتلألأ في عينيها، دموع لم تعد خوفًا، بل قوة وحماية.
«مش لازم تشكريّني… إحنا عيلة، وده اللي بيخلينا نوقف جنب بعض دايمًا.»
ثم، وخلال اللحظات التالية، شعرت الأم بأن عبء الأشهر الماضية بدأ يخفّ. العالم لم يعد مكانًا خطيرًا بقدر ما كان، لأنها قررت أن تحمي ما تبقى لها من حياة، وأن تمنح ابنتها الأمان والحب الذي لم تعرفه من قبل.
وفي صمت الشارع، وبين حفيف الأشجار، بدأت رحلة جديدة… رحلة الحرية، الكرامة، والحياة التي تستحقها
بسمه وأمها، دون خوف، ودون ظلم، ودون رجوع إلى الماضي.

تم نسخ الرابط