مرات ابني

لمحة نيوز

كنتي قاعده بنتي مرات ابني في نص الصالة، مفرشّة على الكنبة كأنها في بيتها، وقدّام العيلة كلها بدأت تشتم فيّ بأقذر كلام، وبتتهمني إني سرقت فلوسها.
أنا لا عليت صوتي، ولا دافعت عن نفسي بالطريقة اللي كانت مستنياها.
فضلت هادية، وسألت سؤال واحد بس…
وفي اللحظة دي، سكارليت وشّها شحب، وكانت هتغمى عليها.
اسمي إيرين، عندي 68 سنة، وبعيش في حي هادي في الضواحي، المكان اللي المفروض يوم الأحد فيه يبقى بطيء، آمن، ومفيش فيه مفاجآت.
كل أسبوعين، بعمل عزومة عيلة — نفس صينية اللحمة، نفس العيش السخن، ونفس المفرش القديم اللي كل بقعة فيه وراها حكاية معرفتش أشيلها.
اليوم ده، الشمس كانت داخلة من الشباك بهدوء، كأن مفيش حاجة وحشة ممكن تحصل في بيت ريحته روزماري وزبدة محمّرة.
بس إيديا كانت بتترعش وأنا برصّ الملاعق، لأن بقالي شهور حاسة إن في حاجة بتشد العيلة دي من جوه… حاجة حادة، مستعجلة، ومليانة قسوة.
وكان ليها اسم: سكارليت، مرات ابني برادي.
بقالي ست شهور وهي بتعاقبني بحاجات صغيرة، النوع اللي ما يتصورش ولا يتثبت.
ابتسامة مش واصلة لعينها، تعليق شكله صريح بس بيوجع، ضحكة خفيفة كل ما أتكلم، كأن صوتي تقيل في بيتي أنا.
لما أختي جولين دخلت ومعاها قريبتنا مارلين، كانوا داخلين بضحك وحيوية، شايلين معاهم نبيذ وتفاؤل ناس فاكرة إن العزومة هتعدي عادي.
جولين أول ما بصّت في وشي قربت مني وقالت: “مالك يا إيرين؟”
قلت لها: “مفيش، أنا كويسة” كدبت… لأني لو قلت الحقيقة بصوت عالي، كنت حاسة إني

هنهار قبل ما أول طبق يتحط.
بعد شوية، عربية برادي دخلت الجراج، ومعدتي اتقبضت.
دخل وهو باين عليه التعب — ابني الحبيب، بقميص لونه رملي، دايمًا بيحاول يرضي الكل لدرجة إنه مش واخد باله هو بيدفع التمن قد إيه.
سكارليت نزلت وراه، لابسة فستان زيتي وكعب صوته بيعدّ الوقت.
ما بصّتش للبيت كبنت داخلة ضيفة…
بصّت من فوقه، ومن فوقي، كأنها بتتشرف إنها جت.
دخلت، قعدت على الكنبة الرئيسية كأنها ملكها، شبكت رجليها، وغرقت في الموبايل.
برادي كان واقف جنبها، معتذر، بيهمسلي كأن ده يبرر كل حاجة: “كان يومها صعب يا ماما.”
دايمًا في يوم صعب… دايمًا في حجة.
بدأنا الأكل من غيرها — نعمل إيه يعني واللحمة بتبرد؟
بعد عشر دقايق، دخلت أخيرًا، فتحت التلاجة من غير ما تستأذن، خدت اللي هي عايزاه، وقعدت على السفرة كأنها قاضية جاية متأخرة.
بصّت في طبقها وكشّرت شوية. “طبيخ تاني؟”
قالتها بهدوء… بس سمّ.
برادي اتخشّب، جولين وقفت الشوكة في نص الطريق، مارلين بصّت في المفرش كأنها نفسها تختفي.
قلت بهدوء: “افتكرتك بتحبيه، المرة اللي فاتت خدتي مرتين.”
سكارليت ضحكت ضحكة مفيهاش دفء: “يا سلام عليّا بقى… كنت بذوق، مش أكتر. أهو تمثيل.”
والسهرة فضلت تنحدر —
الستاير “من العصر الحجري”،
العفش “متحف”،
البيت “واقف عند سنة 1990”،
وأنا “بجرّ برادي هنا عشان أحس إني مهمة”.
كل جملة كانت متفصلة مخصوص عشان تصغّرني قدّام ناس عارفاني طول عمري.
وبعدين قامت، دخلت الصالة، وخلّت البيت كله مسرح.
“تعرفي إيه أسوأ حاجة؟

قالتها وهي باصة عليّا مباشرة.
“إنك عاملة نفسك ملاك.”
كل العيون اتجهت ناحيتي، مستنيين اللحظة اللي أتهد فيها.
سكارليت رفعت دقنها وقالتها كأنها حكم محكمة: “من تلات شهور، ادّيتك خمستاشر ألف دولار تحفظيهُم لي… وإنتي سرقتيهم.”
الجو سقع فجأة.
برادي كان باصص ما بينا مش فاهم،
وفي اللحظة دي افتكرت حاجة صغيرة كنت تجاهلتها —
يوم جت لوحدها، شنطتها مفتوحة على الترابيزة،
وورقة مطوية عليها اسم بنك لمحتها بعيني، قبل ما أرجعها مكانها.
ما جادلتش.
ما توسلتش.
ما طلبتش من ابني يصدقني.
قربت خطوة واحدة، بصّتلها في عينها، وسألت سؤال واحد…
سؤال ضرب في الحتة الوحيدة اللي ما كانتش عايزة حد يقرب لها.
بصّتلها في عينيها، وصوتي كان هادي بشكل غريب حتى عليّ أنا، وقلت السؤال اللي قلب الدنيا:
“تحبي أقول للناس الفلوس دي كانت جاية من حساب أنهي بنك… وباسم مين بالظبط؟”
في ثانية واحدة، وشّ سكارليت فقد لونه.
شفايفها نشفت، وإيديها بدأت ترتعش وهي ماسكة ضهر الكنبة كأنها بتتعلق بطوق نجاة.
برادي قال باستغراب: “ماما… إنتي تقصدي إيه؟”
قبل ما أرد، سكارليت صرخت: “إيرين! إنتي إزاي—؟!”
قاطعتها بهدوء: “إزاي عرفت؟ لأنك نسيتي ورقة التحويل مفتوحة على الترابيزة يوم ما جيتي لوحدك.
اسم الحساب كان واضح… والمبلغ ما دخلش حسابي أصلًا.”
سكتت، وبصّت حواليها، وكأنها بتدور على حد ينقذها.
كملت: “الخمستاشر ألف دولار ما كانواش ليكي.
كانوا جزء من فلوس سحبتيها من حساب مشترك…
حساب باسمك وباسم أختك.”
جولين شهقت:
“أختها؟ ما قالتش قبل كده إن عندها أخت!”
ضحكة صغيرة طلعت مني، حزينة أكتر ما هي شماتة. “لأن الأخت دي مقاطعاها من سنين… بعد ما سكارليت استلفت منها فلوس وما رجعتهاش.”
برادي قرب خطوة، صوته مكسور: “سكارليت… الكلام ده صح؟”
سكارليت حاولت تضحك: “دي خرافات… هي بتلفّق!”
طلعت درج صغير من الكومودينو، وطلعت منه ظرف بني. “كنت مستنية اللحظة دي ومش عايزاها تحصل.
جوا الظرف ده نسخة من التحويل،
ورسالة بخط إيدك بتقولي فيها:
لو برادي عرف، حياتي هتتدمر.”
السكوت نزل تقيل على البيت.
مارلين دموعها نزلت،
جولين كانت ماسكة صدرها،
وبرادي… كان باصص لمراته كأنه أول مرة يشوفها.
سكارليت فجأة قعدت على الأرض. “أنا… كنت محتاجة الفلوس.
كنت هرجعها.
بس هي ضغطت عليّا…”
برادي قال بوجع: “ضغطت عليكي؟ فتي تيجي تتهمي أمي بالسرقة قدّام العيلة كلها؟”
رفعت إيدي أوقفه. “كفاية يا ابني.
أنا مش عايزة أنتقم.
أنا بس كنت عايزة الحقيقة تطلع.”
سكارليت قامت بالعافية، شنطتها وقعت من إيديها. “إيرين… أرجوكي… ما تفضحينيش.”
بصّتلها بثبات: “إنتي اللي فضحتي نفسك.
وأنا مش هسمح لحد يهينّي في بيتي تاني.”
برادي خد نفس طويل وقال: “سكارليت… إحنا هنمشي.
بس مش سوا.”
خرجت من البيت وهي بتترنح، والكعب اللي كان بيعدّ الوقت… بقى صوته مكسور.
قعدت على الكرسي، فجأة حاسة بتعب سنين. جولين مسكت إيدي: “إنتي قوية يا إيرين… أكتر مما كنتِ فاكرة.”
بصّيت حواليّ… نفس البيت، نفس المفرش، نفس البقع. بس لأول مرة من شهور، صدري كان فاضي
من الحمل.
وأنا عرفت حاجة واحدة بس: السكوت مش دايمًا ضعف…
أحيانًا بيكون انتظار للحظة الصح.

تم نسخ الرابط