كنت لسه مراهق
كنت لسه مراهقة بالعافية لما أمي سابتني أنا وأخويا الصغير لوحدنا في البيت.
كانت واقفة على باب الشقة الصبح، الشنطة مقفولة، والموبايل على ودنها بتتخانق مع حد عن مواعيد الطيارة. فاكرة ريحة البرفان بتاعها—كانت حادة وغريبة—لأنها عمرها ما كانت بتحطه وهي معانا. قبل ما تمشي، مدت إيدها في الشنطة، طلعت شوية فلوس متكركبة، ورمتهم على الترابيزة.
«تلاتين دولار كفاية»، قالتها بزهق. «هرجع قبل ما تحسّوا.»
حطّت ازازة مية واحدة جنب الفلوس، بصّت في الساعة، وفتحت الباب.
«ما تفتحوش لحد»، قالتها وهي نصها بره الشقة. «وما تعملوش مشاكل.»
وبس… مشيت.
لا جيران عارفين.
ولا قرايب اتكلموا.
ولا تعليمات.
غير الصمت.
أخويا ليو كان عنده سبع سنين.
وأنا كان عندي 14 سنة… وفجأة بقيت مسؤولة عن إننا نعيش.
أول يوم أكلنا عادي. عملت رز. قلت لليو إن ماما مسافرة سفرية قصيرة. هز راسه وصدقني.
تالت يوم، التلاجة كانت فاضية.
خامس يوم، الفلوس قربت تخلص—اتصرفوا على عيش وبيض ونودلز رخيصة.
ابتديت أعدّي وجبات من غير ما آكل عشان ليو ما ياخدش باله.
بالليل كنت أبقى صاحية، سامعة صوت بطنه وهو بيقرقر، بعدّ الساعات لحد الصبح… يمكن الوقت يجيب أكل.
وفي ليلة… الكهربا قطعت.
البيت غرق في ضلمة تخوّف.
ليو دخل سريري، ماسك في هدومي.
قال بصوت واطي قوي: «أختي… ماما هترجع بكرة؟»
بصّيت في السقف… اللي مش شايفاه.
«أ… أظن آه»، كذبت.
عدّت أسابيع.
بطلت أعد الأيام، العدّ كان بيوجع.
اتعلمت أزوّد الأكل بطريقة مستحيلة.
اتعلمت أغلي مية وأقول لليو دي شوربة.
اتعلمت أبتسم وإيديا بترتعش.
البيت بقى أغمق…
مش بس عشان الكهربا،
لكن من التعب، والخوف،
والإحساس الهادي إن محدش جاي.
ولحد ما في يوم…
باب الشقة اتفتح أخيرًا…الباب اتفتح أخيرًا.
في
الباب اتفتح…
وأمي وقفت.
كانت لابسة جاكيت تقيل، شنطتها في إيديها، ووشها متغير من السفر. أول ما دخلت، ابتسامتها ماتت.
الريحة ضربتها الأول…
ريحة بيت مقفول.
ريحة جوع.
بصّت حواليها.
الضلمة.
الترابيزة الفاضية.
الحلة اللي فيها مية بس على البوتاجاز.
والطفل اللي واقف قدامها هدومه أوسع من جسمه.
وشها شحب.
«إنتوا…»
صوتها خانها.
ليو خرج من ورايا خطوة صغيرة، وبصّ لها بعينين مليانين شوق وتعب في نفس الوقت.
«ماما؟»
قالها كأنه مش مصدق.
هي وقعت الشنطة من إيديها.
قربت علينا، ركعت على الأرض، وبقت تبص علينا واحد واحد، كأنها بتعدنا… كأنها خايفة تكون اتأخرت زيادة عن اللزوم.
«إنتوا كنتوا لوحدكم؟»
سألتني، وصوتها مكسور.
ما رديتش.
أنا
بس ليو سبقني وقال، بابتسامة صغيرة وجعانة: «أختي كانت بتعملنا أكل.»
ساعتها أمي انفجرت في العياط.
حضنتنا الاتنين مرة واحدة، حضن قوي كأنه هيعوض كل اللي فات. حسّيت دموعها سخنة على رقبتي، وسمعتها بتقول: «حقكم عليّ… أنا آسفة…»
بس الاعتذار كان متأخر.
بعدها بساعات، الكهربا رجعت.
الأكل اتطبخ.
البيت نور.
بس في حاجة ما رجعتش.
رجعت أمي…
بس الطفلة اللي كانت عندها 14 سنة اختفت.
فضلت واقفة في المطبخ، بغسل المواعين، بحساب الأكل، براقب أخويا وهو بياكل، حتى وهي موجودة.
ما عرفتش أسيب المسؤولية.
من اليوم ده، فهمت حقيقة واحدة: مش كل أم بتمشي بترجع زي ما كانت.
ومش كل طفل يستنى… بيفضل طفل.
أنا كبرت في الأسابيع اللي غابت فيها.
كبرت جوا الضلمة.
كبرت على صوت بطن أخويا وهو جعان.
وأكتر حاجة كسرتني؟
إن لما قالت لي: «ليه ما كلمتوش حد؟»
افتكرت نفسي وأنا عندي
ومسؤولة عن حياة طفل…
وقلت في سري:
هو أنا كنت لسه طفلة عشان أعرف أطلب نجدة؟