اتجمدت مكاني
اتجمدت مكاني لما أختي قالت بسخرية:
"إنتِ مجرد بنت متبناة… غلطة أمي. ما تحلميش إنك تاخدي حاجة لما يموتوا."
كنا قاعدين في أوضة الصالون، نفس الأوضة اللي اتصورت فيها كل صور الأعياد، واتعملت فيها حفلات أعياد الميلاد، والأوضة اللي قضيت فيها طفولتي كلها وأنا بحاول أحس إني أنتمي.
أهلي ما كانوش موجودين. عمرهم ما كانوا موجودين في اللحظات اللي كانت بتقولي فيها الكلام ده.
أختي، لورين، قالتها بكل برود… كأنها حقيقة معروفة ومفيش فيها نقاش.
دي كانت دايمًا طريقتها.
واثقة.
قاسية.
ومتأكدة إن مكانها في العيلة مضمون.
حسيت حلقي قفل.
كنت عايزة أصرخ.
أجادلها.
أطالبها بدليل.
بس ما عملتش حاجة.
بلعت دموعي وسكت… زي كل مرة.
لأنها كانت عندها حق في حاجة واحدة.
أنا فعلًا متبناة.
اتاخدت وأنا رضيعة في تبني مقفول. أهلي عمرهم ما خبّوا الحقيقة دي، لكن في نفس الوقت عمرهم ما حسسوني إني مختلفة… على الأقل مش بشكل مباشر.
بس لورين كانت دايمًا حريصة تفكرني.
أي خناقة بينا كانت بتنتهي بنفس الجمل:
"مفروض تكوني ممتنة إننا
"إنتِ مش من العيلة بجد."
"افتكري دايمًا مين دم ومين لأ."
فـ اتعلمت أستحمل.
ذاكرت أكتر.
اشتغلت في هدوء.
مشيت من البيت بدري وبنيت حياة من غير ما أستنى قبول من حد.
السنين عدّت.
أهلي كبروا.
لورين فضلت قريبة منهم… زيادة عن اللزوم.
بتمسك في الفلوس،
"بتساعد" في الورق،
ودايمًا عينيها على كل حاجة.
وفي يوم بعد الظهر، تليفوني رن.
كان محامي العيلة.
صوته كان هادي… ومطمن بشكل غريب.
قاللي:
"ما تقلقيش. هي على وشك تعرف الحقيقة… بس بالطريقة الأقسى ممكن."
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قلتله:
"حقيقة إيه؟"
سكت شوية.
وبعدين قال:
"حقيقة إنتِ مين بجد… وحقيقة هي مش مين."
من اللحظة دي، عرفت إن حياتي مش هتفضل زي ما هي تاني أبدًا…
فضلت تليفون المحامي في ودني وأنا مش فاهمة حاجة.
قعدت على الكنبة، ماسكة الموبايل بإيدي الاتنين، وكأن لو سيبته الحقيقة هتضيع.
قاللي يقابلني تاني يوم في مكتبه.
طول الليل ما نمتش.
كل الذكريات عدّت قدامي:
نظرة أمي وهي بتطمني وأنا صغيرة،
سكوت أبويا دايمًا وقت الخناقات،
وتسلّط
تاني يوم دخلت مكتب المحامي.
فتح درج، وطلع ملف تقيل، قديم، مصفر من الزمن.
قال بهدوء:
"أهلك طلبوا مني أفتح الملف ده بعد وفاتهم… بس اللي حصل خلاني أستأذنهم أقولك دلوقتي."
قلبي كان هيطلع من صدري.
فتح الملف، وطلع شهادة ميلاد.
اسمي…
اسم أمي…
اسم أبويا…
قال:
"إنتِ مش متبناة."
رفعت عيني فيه، ولساني اتشل.
كمّل:
"إنتِ بنتهم البيولوجية. الدم. اللحم. كل حاجة."
حسيت الأرض بتلف.
قال:
"التبني كان… لورين."
الدنيا سكتت.
حكالي الحقيقة كاملة:
أمي كانت صغيرة وقت جوازها، حملت بدري، والبيبي اتولد بتشوه صحي خطير.
الدكاترة قالوا إن الحمل التاني ممكن يكون خطر، فقرروا يتبنوا طفل.
بس بعد سنين…
جيت أنا.
حمل غير متوقّع.
سليم.
طبيعي.
لورين كانت محتاجة عمليات، رعاية، مصاريف.
وأنا كنت "الطفلة اللي لازم تكبر من غير ما تاخد كل الاهتمام".
فقرروا يخبّوا الحقيقة.
قالوا للكل إن أنا المتبناة.
علشان نفسيتها.
علشان ما تحسش إنها أقل.
كبرت وأنا شايلة اللقب الغلط.
وهي كبرت وهي فاكرة نفسها
المحامي قال:
"كل الورق متسجل. كل حاجة قانونية. والوصية واضحة."
الوصية؟
أيوه.
أهلي كتبوا كل حاجة قبل ما صحتهم تسوء.
البيت؟ باسمي.
الأراضي؟ باسمي.
الحسابات؟ باسمي.
ولورين؟
مبلغ شهري ثابت…
ورعاية طبية مدى الحياة.
ولا أكتر.
رجعت البيت وأنا رجلي مش شايلاي.
لورين كانت قاعدة في الصالون، نفس المكان.
بصّتلي بنظرة فوقية وقالت:
"كنتِ فين؟"
ابتسمت.
أول مرة أبتسم.
قلت:
"كنت بعرف الحقيقة."
ضحكت بسخرية:
"حقيقة إيه؟ إنك متبناة؟ ما أنا عارفة."
طلعت الملف وحطيته قدامها.
لونها اتغير.
قلبت في الورق، إيديها بترتعش.
صرخت:
"ده كدب!"
قلت بهدوء:
"لا. ده دم."
قعدت تبكي.
تصرخ.
تتوعّد.
قالت:
"أنا اللي كنت هنا دايمًا! أنا اللي خدمتهم!"
قلت:
"وأنا اللي اتشالت من حقي علشانك."
سابتها وطلعت.
بعد شهور، أهلي توفّوا بهدوء.
من غير صراعات.
من غير فضايح.
لورين حاولت ترفع قضية.
خسرت.
مشيت من حياتي وأنا لأول مرة حاسة إني واقفة على أرض ثابتة.
مش علشان الفلوس.
ولا البيت.
علشان الحقيقة.
وعلشان عرفت إن الصمت
ما كانش ضعف…
كان انتظار.
وأقسى حاجة ممكن تحصل للي بيستقوى على غيره
إنه يكتشف متأخر
إنه عمره ما كان صاحب المكان.