كدبت علي مريض
أنا كذبت على مريض بيموت النهارده، ولسه بحاول أستوعب إذا كان اللي عملته ده رحمة…
بقالي سنين شغالة ممرضة، وسنين أطول بقول لنفسي إن المهنيّة هي طوق النجاة الوحيد في شغلانة زي دي. إنك لو قرّبتي زيادة هتتكسري، ولو سيبتي مسافة هتعرفي تكمّلي. اتعلمت أوازن بين العطف والحدود، بين الإنسانيّة والانضباط، بين إني أكون موجودة، بس مش غارقة.
كنت دايمًا فخورة بنفسي في الحتة دي.
فخورة إني بعرف أخرج من الأوضة وأسيب ورايا الألم، من غير ما آخده معايا للبيت.
فخورة إني بعرف أبتسم للمريض، أهوّنه، أساعده، وبعدين أرجع إنسانة عادية.
على الأقل… كنت فاكرة كده.
النهارده كل القواعد دي وقعت.
كان مريض مسن، داخل العناية من أيام، حالته بتتدهور بهدوء مخيف. النوع اللي الجسم فيه بيستسلم واحدة واحدة، من غير صراخ، من غير دراما، بس بنهاية واضحة. الملف بتاعه كان رفيع، رفيع بشكل يوجع. شوية تحاليل، تشخيص نهائي، وخانة فاضية تقريبًا في قسم “ذوي المريض”.
اسم واحد بس.
اسم بنته.
ملاحظات مكتوبة بخط دكتور
“لا يوجد تواصل. قطيعة منذ سنوات.”
السنين دي كانت باينة عليه.
على تجاعيد وشه، على نظرة عينه، على الطريقة اللي كان بيبص بيها للسقف كأنه مستني حد يدخل.
بس مفيش حد دخل.
ولا مرة.
كنت بدخل عليه أشيّك على الأجهزة، أظبط المحاليل، أقيس الضغط، وهو دايمًا ساكت. ساكت بس مش غايب. كان واعي، وبيفهم، وبيحس بكل ثانية بتمر. أحيانًا كان يبصلي كأنه عايز يقول حاجة، وبعدين يتراجع.
لحد النهارده.
النهارده كان النفس تقيل.
النَفَس اللي تعرفيه من غير أجهزة إن النهاية قريبة.
الجسم بقى ضعيف، والصوت واطي، بس الروح لسه ماسكة.
كنت واقفة جنبه، وبسجل الملاحظات، لما سمعته بيهمس.
في الأول افتكرت إنه هذيان.
بس لا… كان اسم.
اسم بنته.
كرره كذا مرة.
بصوت مكسور، متقطّع، كأنه طفل تايه بينادي أمه في زحمة.
مد إيده.
إيده كانت رعشة، ضعيفة، بس الإشارة كانت واضحة.
كان بيدوّر على حد.
أي حد.
في اللحظة دي، كل التدريب، كل البروتوكولات، كل الجُمل اللي حفظناها عن “عدم التعلّق” اختفت.
فضلت واقفة، مجمدة،
“ما ينفعش.”
“ده مش دورك.”
“إنتِ ممرضة، مش بنته.”
بس كان في صوت تاني… أهدى، أعمق، وأقسى:
“هتسيبيه يموت لوحده؟”
فكرة إنه يسيب الدنيا دي وهو حاسس إنه مهجور، مرفوض، منسي… كانت قاسية أكتر من أي خطأ مهني.
قاسية لدرجة خلتني أحس إن القوانين نفسها باردة، وإنسانيتها ناقصة.
قربت.
مسكت إيده.
مجرد لمسة… بس كانت كأنها وعد.
فتح عينه بصعوبة، وبصلي.
بصّة مليانة سؤال، خوف، وأمل صغير قوي.
ساعتها قلت الكذبة.
قلتله إني بنته.
الصوت طلع مني ثابت أكتر مما توقعت.
كأني كنت مستعدة للجملة دي من زمان.
قلتله إني بحبه.
قلتله إنه وحشني.
قلتله إنه يقدر يرتاح، وإن كل حاجة هتبقى بخير.
ضغط على إيدي.
الضغط كان ضعيف، بس معناه كان تقيل.
دمعة نزلت من عينه، ووشه هدي.
ملامحه ارتاحت بطريقة عمري ما شوفتها قبل كده.
في اللحظة دي، ما كنتش ممرضة.
كنت إنسانة بس.
إنسانة اختارت إن آخر إحساس في حياة شخص يكون أمان، مش وحدة.
اتوفى بعدها بدقايق.
بهدوء.
من غير صراع.
من غير فزع.
خرجت من الأوضة،
مش من الحزن بس… من السؤال.
أنا كذبت.
كسرت حدود.
ادّيت نفسي دور مش دوري.
هل ده غلط؟
ولا الرحمة أحيانًا لازم تكسر القواعد؟
قعدت أفكر في بنته.
فين كانت؟
هل كانت هتسامحه لو جات؟
هل كانت هتسمع اسمه وهو بيناديها بنفس الوجع ده؟
ولا يمكن… يمكن لو كانت هنا، كان كل ده اتغير؟
وفكرت في نفسي.
هل أنا عملت كده عشانه؟
ولا عشان ما أستحملش أنا فكرة وحدته؟
الذنب بييجي ويروح.
يطلعلي في وشوش زمايلي وهم بيضحكوا في الاستراحة.
في صوت الأجهزة اللي لسه شغالة لمرضى تانيين.
في فكرة إن محدش يعرف اللي حصل، ومحدش هيعرف.
بس في نفس الوقت…
في صورة وشه وهو مرتاح.
الصورة دي بتهزم كل حاجة.
يمكن الحقيقة مش دايمًا أهم حاجة في اللحظات الأخيرة.
يمكن اللي بيفرق هو الإحساس اللي الإنسان بياخده معاه.
ويمكن، بس يمكن، الرحمة أحيانًا تبقى كذبة صغيرة… بس قلبها صادق.
مش عارفة أقول إني ندمانة.
ومش قادرة أقول إني فخورة.
أنا بس إنسانة شافت حد بيموت لوحده… وقررت ما تسيبوش لوحده.
والليلة دي، وأنا
كل اللي في بالي…
إنه مشي وهو ماسك إيد حد