جوزى اقنعني انى اسيب بناتى الصغيرين معاه واسافر
ومختار بقى شبه شبح. مشروعه اتحجز عليه، والناس في المنطقة بقوا يشاوروا عليه في الشارع. حتى نرمين، اللي كانت فاكرة نفسها كسبت الجولة، بدأت تكتشف إنها اتجوزت راجل غرقان ديون وكدب.
وفي يوم، عبير كانت قاعدة مع ملك وملاك بتحاول تعوضهم عن السنة اللي ضاعت، لما جرس الباب رن.
فتحت… واتصدمت.
مختار.
وشه كان دبلان، هدومه مكركبة، وعينه فيها انكسار أول مرة تشوفه فيه.
"ممكن أدخل؟"
عبير سكتت ثواني… وبعدين وسعتله الباب من غير كلمة.
البنات أول ما شافوه جريوا عليه: "بابا!"
حضنهم وهو بيعيط لأول مرة قدام حد.
عبير وقفت بعيدة، قلبها مش عارف يكرهه ولا يشفق عليه.
مختار بص لها وقال بصوت مكسور: "أنا خسرت كل حاجة يا عبير."
ردت ببرود: "أنت خسرتهم يوم ما بعتنا."
سكت شوية… وبعدين قال: "نرمين سابت البيت وخدت ابنها ومشيت."
عبير ما اتكلمتش.
"عارفة ليه؟"
ضحك ضحكة باهتة موجوعة.
"عشان الفلوس خلصت."
الكلمة وجعته قبل ما توجعها.
ملك قربت من أمها بهدوء وقالت: "ماما… هو بابا هيقعد معانا؟"
عبير بصت لبناتها. كانوا محتاجين أبوهم مهما حصل.
لكن هي كمان كانت محتاجة تحفظ كرامتها اللي اتكسرت.
فقالت بهدوء: "باباكم يفضل أبوكم طول العمر… لكن في فرق بين الأب، والزوج."
مختار نزل عينه في الأرض. فهم الرسالة.
قام يمشي، لكنه وقف عند الباب وقال: "أنا ظلمتك… وعمري ما هعرف أصلّح اللي عملته."
عبير ردت من غير ما تبصله: "الجرح اللي بيتعمل بالخيانة… عمره ما بيرجع زي الأول."
خرج مختار وساب الباب مفتوح وراه.
وفي الليلة
ملك وملاك ناموا في حضن أمهم لأول مرة من سنة وهم مطمنين.
أما عبير، فوقفت في البلكونة تبص للسما، والهوا بيحرّك شعرها بهدوء.
كانت لسه موجوعة… بس لأول مرة من زمان، حست إنها قوية.
مش لأنها كسبت قضية.
لكن لأنها وقعت… وقامت لوحدها.بعدها بأيام…
عبير بدأت تحاول ترجع تعيش من جديد.
اشترت شقة صغيرة قريبة من مدرسة البنات، وفتحت مشروع أونلاين بالحاجات اللي اتعلمتها وهي بره. كانت بتشتغل طول اليوم، وبالليل تقعد تذاكر لملك وملاك وتسمعلهم حكايات قبل النوم، كأنها بتحاول تعوض كل لحظة غابت فيها عنهم.
لكن أكتر حاجة كانت بتوجعها…
إن البنات بقوا يسألوا كتير عن أخوهم الصغير.
البيبي.
رغم إنه ابن نرمين، إلا إن ملك وملاك كانوا متعلقين بيه، لأنهم عاشوا معاه سنة كاملة.
وفي يوم، وهي راجعة من الشغل، تليفونها رن.
رقم غريب.
ردت بتردد: "ألو؟"
الصوت اللي جاوبها كان مرعوب.
نرمين.
"عبير… الحقيني."
عبير اتجمدت مكانها.
نرمين كانت بتعيط بانهيار: "مختار عمل حادثة… وهو في المستشفى… والبيبي حرارته عالية وأنا مش عارفة أعمل إيه!"
عبير قلبها اتقبض رغم كل اللي حصل.
وصلت المستشفى بسرعة.
مختار كان نايم على السرير، دراعه متجبس ووشه مليان كدمات. شكله كان مكسور تمامًا.
أما نرمين… فكانت قاعدة في الكوريدور منهارة والطفل بيصرخ في حضنها.
أول ما شافت عبير، قامت لها بسرعة: "أنا عارفة إني ما استاهلش… بس ماعنديش حد."
عبير أخدت البيبي منها تلقائيًا، وهدّته بحنية غريبة خرجت منها من غير تفكير. الطفل أول ما حضنته
وفي اللحظة دي…
مختار فتح عينه وشاف المشهد.
شاف عبير شايلة ابن نرمين وبتطبطب عليه، وشاف نرمين واقفة مكسورة، وشاف نفسه عاجز على سرير مستشفى.
دموعه نزلت بصمت.
"إنتِ… لسه إنسانة كويسة بعد كل اللي عملته فيكي."
عبير بصتله بهدوء وقالت: "عشان أنا ماخسرتش نفسي."
الكلمة خبطته أكتر من الحادثة نفسها.
عدّت الأيام… ومختار بدأ يتغير فعلًا.
بقى يزور بناته باحترام، من غير مشاكل، ويدفع اللي عليه، ويحاول يصلح ولو جزء صغير من اللي كسره.
أما نرمين… فبعد اللي عاشته، فهمت إن الراجل اللي يخون مرة، ممكن يخون الكل.
وسابت مختار نهائي، وأخدت ابنها وراحت عند أهلها.
وفي آخر يوم شافها فيه، قالت لعبير قبل ما تمشي: "أنا أذيـتك… بس صدقيني، أنا أخدت عقابي."
عبير ما شمتتش فيها.
بس ردت بهدوء: "كل واحد فينا بيدفع تمن اختياراته."
وبعد سنة كاملة…
ملك وملاك كانوا بيلعبوا في أوضة واسعة مليانة ضحك، وعبير واقفة في المطبخ بتحضر الأكل وهي مبتسمة.
رن الجرس.
فتحت لقت مختار واقف، بإيده شنطة هدايا للبنات.
بصلها باحترام وقال: "إزيك يا أم ملك وملاك؟"
لأول مرة من سنين… ماقالش "مراتي".
ولا حاول يرجّع اللي انتهى.
وعبير ابتسمت ابتسامة خفيفة وردت: "الحمد لله."
في اللحظة دي أدركت إن النهاية الحقيقية ما كانتش إنها تنتقم…
النهاية الحقيقية إنها بقت أقوى من الوجع نفسه.بعد خمس سنين…
الشقة الصغيرة اللي بدأت فيها عبير من الصفر بقت بيت دافي مليان حياة.
مشروعها كبر، وبقى عندها مكتب وناس شغالة معاها، وكل واحدة
لكن عبير كانت تعرف الحقيقة…
هي ماقامتش في يوم وليلة.
هي كانت كل يوم بتقوم حتة حتة.
ملك وملاك كبروا، وبقوا متعلقين بيها بشكل يخلي قلبها يطيب كل ما تفتكر اليوم اللي استخبوا فيه ورا أبوهم.
أما مختار…
فكان الزمن كفيل يعلّمه الدرس اللي رفض يسمعه زمان.
شعره غزاه الشيب بدري، وشغله ما رجعش زي الأول أبدًا.
كان يزور بناته كل أسبوع، بهدوء واحترام، ويخرج من البيت كل مرة وهو باصص لعبير بنظرة ندم عمرها ما اختفت.
وفي يوم عيد ميلاد ملك وملاك الـ١٢…
البيت كان مليان ضحك وأصحاب وتورتة كبيرة.
مختار وقف وسط الزحمة، وبص لعبير للحظة طويلة، وبعدين قال قدام الكل:
"أنا ضيعت أحسن إنسانة دخلت حياتي."
المكان سكت.
عبير بصتله… لكن المرة دي قلبها ماوجعهاش.
ماحستش بغضب، ولا رغبة في الانتقام.
لأنها أخيرًا شفيت.
ابتسمت بهدوء وقالت: "كل حاجة بتحصل لسبب يا مختار… يمكن لو ماحصلش اللي حصل، ماكنتش هعرف قوتي."
مختار نزل عينه في الأرض، لأول مرة مستوعب إنه خسرها فعلًا… للأبد.
وفي آخر الليل، بعد ما الكل مشي، ملك سألت أمها وهي بتحضنها:
"ماما… إنتِ زعلانة من بابا؟"
عبير سكتت شوية، وبعدين قالت بابتسامة هادية:
"لا يا حبيبتي… الزعل بيخلص مع الوقت.
بس الإنسان لازم ماينساش الدرس."
حضنتها ملك أكتر، ونامت في حضنها.
أما عبير، فبصت من البلكونة لنور الشارع، والهوا البارد بيعدّي على وشها، وحست براحة عمرها ما حستها قبل كده.
لأنها أخيرًا
أقوى انتقام إنك تنجح، وتعيش سعيد… كأنه ماقدّرش يهزمك أبدًا.