روايه لما قالوا جرسونة طلعِت مراته بقلم شروق خالد
أخويا قال إن شكله وحش قدام الناس يقعدوا مجرد جرسونة مع العيلة وبعدها فجأة ملياردير دخل من غير دعوة، عدّى من جنب الترابيزة الرئيسية كلها، مسك إيدي وقال الحقيقة اللي ولا واحد فيهم كان مستعد يسمعها أنا مراته
البنت اللي واقفة على باب القاعة بصّت على الجزمة السودة بتاعتي، وبعدين على الصينية اللي في إيدي، وقالتلي
مدخل العاملين من هناك؟
لسه هرد، بنت خالتي بسمة ضحكت وقالت
تقريبًا كده هي من العيلة آه، بس برضه شغالة جرسونة، فالأحسن تقعد ورا.
كام واحد من قرايبي ضحكوا، ضحكة باينة إنها هزار بس أنا حسّيتها طعنة.
كنت سايقة ساعتين عشان أحضر عيد ميلاد تيتة ال في نادي كبير، ولسه مغيرة هدومي بعد شيفت طويل في مطعم في القاهرة. جيت عشان تيتة هي اللي كلمتني بنفسها وقالتلي
متخليش كرامتك تبعدك عن عيلتك.
بس واضح إن المشكلة ما كانتش في كرامتي المشكلة كانت فيهم هما.
قعدوني على ترابيزة صغيرة قوي جنب باب السيرفيس، مستخبية ورا زرعة كبيرة وكراسي مركونة. مكان كده كأنك مش موجود أصلاً.
أخويا كريم بصلي بنظرة فيها اعتذار بس سكت.
عمتي ليلى، اللي كانت واخدة فلوس من أمي وما رجعتهاش، ابتسمت ابتسامة صفرا وقالت
ماتاخديش
ليهم وضعهم.
الكلمة دي وجعت أكتر من أي إهانة.
أنا عندي 28 سنة، بصرف على نفسي، وبساعد أمي في علاجها، وبكمل دراستي واحدة واحدة بس بالنسبة لهم، أنا ولا حاجة.
أنا بس البنت اللي بتشيل أطباق المثال اللي بيخوفوا بيه عيالهم اللي ماعملتش حاجة في حياتها.
وفجأة باب القاعة اتفتح.
الجو كله اتغير قبل حتى ما أبص.
الكلام سكت الشوك وقفت في الهوا
وحد همس
ده دانيال بيه
دانيال بيه.
الاسم اتقال بهمس بس صداه ملّى القاعة كلها.
رجّالة قامت من أماكنها، ستات عدّلت فساتينها، ووشوش كتير اتحولت من استهزاء لابتسامات مصطنعة في ثانية.
وأنا؟
كنت لسه قاعدة في مكاني وقلبي بيدق بسرعة غريبة.
مش عشان الاسم
عشان أنا عارفة هو مين.
دخل بهدوء، بدلة سودة مفصلة عليه كأنها معمولاله مخصوص، عينه بتلف على المكان كأنه بيدوّر على حاجة أو حد.
عمتي ليلى قامت بسرعة وقالت بصوت عالي
يا نهار أبيض! دانيال بيه بنفسه! يا شرفنا!
قرايبي بدأوا يقربوا منه، يسلموا عليه، يضحكوا، يحاولوا يلفتوا نظره
بس هو ما وقفش عند ولا واحد فيهم.
عدّى من جنب الترابيزة
من جنب أخويا
من جنب كل الناس اللي كانوا شايفين نفسهم أهم مني
ومشي في اتجاه واحد بس.
ناحيتي.
حسيت الدنيا بتبطأ
كل خطوة بيقربها، قلبي بيخبط أقوى.
وقف قدامي.
بصلي نفس النظرة اللي أنا عارفاها كويس اللي فيها هدوء وقوة في نفس الوقت.
مد إيده
ومسك إيدي قدام الكل.
سكتت القاعة كلها.
وقال بصوت واضح، هادي بس قاطع
كنت مستنيكي.
شهقة طلعت من كذا حد.
بصّات صدمة استغراب عدم تصديق.
أخويا كريم فتح بقه
إيه ده؟! إنت تعرفها؟!
دانيال لف له ببطء، وقال
مش بس أعرفها.
شد إيدي ناحيته شوية وكمل
دي مراتي.
الصمت المرة دي كان تقيل خانق.
بسمة وشها اصفر، وعمتي ليلى حطت إيديها على صدرها
مراتك إيه يا بني؟! ديدي شغالة جرسونة!
دانيال ابتسم ابتسامة خفيفة بس كانت مليانة معنى
آه وهي أشرف وأقوى من ناس كتير قاعدين هنا.
حسيت إيدي بتترعش في إيده مش ضعف
بس من اللحظة اللي عمري ما تخيلت إنها تيجي بالشكل ده.
أخويا قرب خطوة وقال بعصبية
إنت بتهزر؟! يعني إيه مراتك؟! إمتى؟!
بصله دانيال بثبات وقال
من سنتين.
سنتين؟! الصوت طلع من أكتر من حد.
عمتي صرخت
وده كله وإحنا مش عارفين؟!
أنا أخدت نفس عميق وبصّيت لهم كلهم لأول
وقلت بهدوء
لأني كنت عارفة هتعملوا إيه لو عرفتوا نفس اللي عملتوه النهارده.
سكتوا.
مافيش حد رد.
دانيال ضغط على إيدي وقال لي بهمس
مستعدة؟
بصيتله وابتسمت.
وبعدين لفّينا سوا
وسبنا القاعة كلها واقفة مصدومة ومش قادرة تستوعب إن الجرسونة اللي كانوا بيكسفوا منها
طلعت أكتر واحدة فيهم كانت عايشة بكرامة
وأكتر واحدة ما احتاجتش تثبت قيمتها لحد.
وأنا فاكرة إننا هنمشي وخلاص نسيبهم في صدمتهم ونقفل الصفحة دي للأبد.
بس صوت تيتة وقفنا.
استني يا بنتي
الصوت كان ضعيف بس كله احترام.
لفّيت أنا ودانيال في نفس اللحظة.
تيتة كانت واقفة، ساندة على العصاية، وعينيها مليانة دموع مش شبه دموع الضعف دموع حد شايف الحقيقة أخيرًا.
بصّت لي وقالت
تعالي اقعدي جنبي.
القاعة كلها سكتت تاني.
عمتي ليلى حاولت تتكلم
يا ماما إحنا
تيتة رفعت إيدها وسكتتها من غير ما تبصلها حتى.
أنا اللي دعوتها وأنا اللي هقعدها جنبي.
مسكت إيد دانيال، وابتسمتله
لو دي مراتك تبقى على راسي من فوق.
دانيال انحنى لها باحترام
دي كفاية عندي جدًا يا تيتة.
قعدت جنبها على الترابيزة الكبيرة نفس الترابيزة اللي كانوا شايفين إني
المرّة دي، الكراسي اتبدلت مش مكانًا لكن قيمة.
أخويا كريم قعد