يابينتي
"يا بنتي، الله يخليكي ساعديني أشيل حزمة الحطب دي.. أنا خلاص حيلي انهد."
— "بنتك مين يا ست إنتي؟ أوعي تقولي لي يا بنتي دي تاني خالص!"
"هنا" و"صافي" كانوا أعز أصحاب في القرية. الاتنين عندهم 19 سنة، وفي الثانوية، والكل عارف إنهم مـابيفارقوش بعض. بس الفرق بينهم كان زي السما والأرض؛ "صافي" لسانها طويل ومغرورة وشايفة نفسها، أما "هنا" فكانت هادية، طيبة، وبتحس بوجع غيرها.
في صباح يوم حر والشمس طالعة تحرق، كان الطريق تراب وعفرة، وجرس المدرسة خلاص فاضل عليه ثواني. كانوا ماشيين بيجروا والشنط بتنط على ضهرهم، وصافي عمالة تلطم وتستعجل هنا:
— "خلصي يا هنا! لو دخلنا متأخر "أبلة روز" هتعمل منا بطاطس محمرة وتوقفنا ذنب طول النهار.. وأنا مش هقف ذنب النهاردة!"
وهما عند "الشجرة الكبيرة" اللي في أول الطريق، شافوا ست عجوزة جاية من الناحية التانية. الست كانت ماشية بالعافية، ضهرها محني وبتترعش كأن عضمها خلاص تعب من شيلة الدنيا. كانت شايلة حزمة حطب تقيلة فوق راسها ومربوطة بحبل قديم، وإيدها بتتهز وهي بتحاول توازنها. رجليها حافية، وهدومها قديمة ومقطعة، والعرق نازل على وشها رغم إننا لسه الصبح.
وقفت قدامهم وهي بتنهج وصوتها طالع بالعافية كأنها بتشحت آخر نفس فيها:
— "يا بناتي.. أبوس إيديكم ساعدوني أوصل الحطب ده للبيت.. البيت
وش "صافي" اتقلب في ثانية، وبصت للست بقرف وكأنها شتمتها:
— "لأ طبعاً! يا ست يا عجوزة إنتي، إحنا مـاشيين للمدرسة ومتأخرين.. إيه اللي موقفك في طريقنا؟ روحي شوفي عيالك يجروا وراكي!"
الست بربشت بعينيها وبصت في الأرض بكسرة.. بس "هنا" قربت منها بخوف وحنية:
— "ولا يهمك يا خالة.. ما تزعليش، أنا هشيله معاكي."
وبعدين لفت لصافي وقالت لها: "يا صافي، روحي إنتي المدرسة وأنا هحصلك.. لازم أساعدها."
صافي زعقت بجنون: "هنا! إنتي اتجننتي؟ هي دي أمك؟ إنتي تعرفي الست دي أصلاً؟ خلصي يلا بينا هنتأخر!"
هنا هزت راسها بإصرار: "مش هقدر أسيبها كدة.. الست ضعيفة وممكن تقع في أي لحظة."
صافي مسكت إيد هنا بغل: "يعني عايزة تتجزي وتتذلي بسبب واحدة غريبة؟ إنتي غاوية تعب وقلب وش وعايزة تعيشي لي في دور القديسة!"
هنا شالت إيد صافي بالراحة: "الموضوع مش تمثيل يا صافي.. الموضوع إنسانية."
عين صافي بردت وقالت لها بتهديد: "طيب.. شيلي الحطب براحتك. بس مـاتجيش تعيطي لي لما تتعاقبي. واسمعي بقا.. صداقتنا خلصت لحد هنا، أنا مـابصاحبش ناس دماغها ناشفة وبتعمل هبل زي ده!"
صافي سابتها ومشيت وهي بتبرطم وتكلم نفسها بوقاحة، ولا حتى بصت وراها.
هنا بصت لصاحبة عمرها وهي بتبعد، وحست بوجعة في صدرها.. بس لفت وشها للست العجوزة اللي مكنتش مصدقة
— "إنتي فعلاً هتساعديني يا بنتي؟"
هنا ابتسمت: "أيوه يا خالة."
وطت على الأرض، ورفعت حزمة الحطب التقيلة.. الحطب كبس على راسها لدرجة إن ركبها كانت بتخبط في بعض، بس رفضت تشتكي أو تبكي. الست سندت الحطب معاها وشاورت لها على طريق ضيق بعيد عن الطريق الرئيسي:
— "من هنا يا بنتي.."
هنا خدت أول خطوة في الطريق.. متأخرة عن مدرستها، وصاحبتها باعتها، وشايلة حمل أكبر من سنها.. بس كملت وهي مـاتعرفش إن الفعل البسيط ده هو اللي هيفتح لها باب يغير حياتها كلها للأبد!
تفتكروا الست العجوزة دي مين؟ وإيه اللي هيحصل لـ "هنا" لما توصل البيت؟ وهل "صافي" هتندم على اللي عملته لما تكتشف بابتسامة حزينة وقالت: "أنا مش عجوزة يا بنتي.. أنا أخت جوزي.. جوزي مات من سنين، وأنا ماليش حد في الدنيا. بس أنا عندي حاجة مهمة لازم أوصلها لابن أخوي.. هو مسافر بره، وبيتعب في الغربة عشان يصرف على أخوه المريض."
هنا سألت باهتمام: "وإيه هي الحاجة دي؟"
الست العجوزة حطت إيدها في جيبها وطلعت ورقة قديمة: "دي أرض ورثها من أبوه.. بس أخوه الكبير خدها منه بالغصب، وأنا عايزة أوصلها لابن أخوي عشان يرجع حقه."
هنا شالت الحطب بكل قوتها، وقالت: "خلاص يا خالة.. أنا هأوصلك لابن أخويك، وأنا هأخد حقي من أخوه الكبير ده."
الست العجوزة
بعد شوية مشي، وصلوا لبيت الست العجوزة، وكانت المفاجأة... البيت ده كان بيت كبير، ووراه أرض واسعة. الست العجوزة قالت: "ده بيت أخوي.. وأنا كنت عايزة أوصل الورقة دي لابن أخوي عشان يرجع حقه."
هنا سألت: "بس إيه علاقة صافي بالموضوع؟"
الست العجوزة بصت لها بابتسامة: "صافي دي بنت أخوي الكبير.. اللي خد الأرض من أبوه بالغصب. وأنا كنت عايزة أوصل الورقة دي لابن أخوي عشان يرجع حقه، ويعرف إن فيه ناس طيبين في الدنيا."
هنا حست إنها فهمت كل حاجة، وقالت: "خلاص يا خالة.. أنا هأخد الورقة دي، وأنا هأوصلك لابن أخويك."
بس فجأة، سمعوا صوت صافي وهي بتقول: "إيه اللي بيحصل هنا؟"
هنا لفت وشها، وقالت: "صافي.. أنا آسفة.. أنا كنت عايزة أساعد الست دي."
صافي بصت لها بغل: "أنا مش عايزة مساعدتك.. أنا عايزة تسيبيني وشأني."
هنا حست بوجع، وقالت: "خلاص يا صافي.. بس أنا مش هسيب الست دي لوحدها."
صافي زعقت: "أنا مش عايزة مساعدتك.. أنا عايزة تسيبيني وشأني."
هنا بصت للست العجوزة، وقالت: "خلاص يا خالة.. أنا هأخد الورقة دي، وأنا هأوصلك لابن أخويك."
الست العجوزة سلمتها الورقة، وقالت: "ربنا يخليكي يا بنتي.. ربنا يكرمك زي ما كرمتيني."
هنا خدت الورقة، وخرجت من البيت،